فيما يواصل الحرس الثوري الإيراني استهداف رئة العدوان وعموده الفقري.. سعي أمريكي لتوريط الخليج في أتون مواجهة مدمرة

كشفت التطورات الدراماتيكية التي عصفت بالمنطقة مؤخراً، ولا سيما مع انطلاق العدوان الأمريكي الصهيوني الواسع تحت مسمى عملية "الغضب العارم"، عن تحول جذري في طبيعة الصراع وموازين القوى الإقليمية،

فيما يواصل الحرس الثوري الإيراني استهداف رئة العدوان وعموده الفقري.. سعي أمريكي لتوريط الخليج في أتون مواجهة مدمرة

حيث أبانت هذه العملية التي صُممت كأكبر عدوان ثنائي تكاملي بين واشنطن وسلطات الاحتلال الإسرائيلي عن سعي منهجي لتوريط الأنظمة المرتهنة في أتون مواجهة مدمرة، ولم يقتصر هذا التنسيق الإجرامي على استهداف البنية التحتية للجمهورية الإسلامية الإيرانية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى محاولة إعادة هندسة المنطقة عبر تحويل أراضي الدول العربية إلى ساحات مفتوحة للردود، محولاً إياها من جغرافيا تابعة إلى رهائن مباشرة لسياسات واشنطن وتل أبيب.

اليمن - خاص

وفي هذا السياق، أرست مضامين كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في مارس 2026 قواعد اشتباك جديدة، حيث شدد على أن استمرار بعض الدول كـ "رهائن" للأجندة الأمريكية والإسرائيلية يمثل انتحاراً سيادياً، داعياً إلى بناء منظومات دفاع ذاتي مستدامة وتجاوز "فخ التوريط" عبر حوار إقليمي مباشر ينهي ذريعة التواجد الأجنبي ويحفظ للأمة كرامتها وثرواتها من التبديد في حروب الوكالة التي لا تخدم سوى التفوق الإسرائيلي.

الوعد الصادق 4.. انتصار عالي المستوى
وعلى النقيض من الحسابات الأمريكية، أطلق الحرس الثوري الإسلامي عملية "الوعد الصادق 4" بعد إعداد عالي المستوى، مستهدفاً العمود الفقري للتحرك الأمريكي الصهيوني؛ إذ تمثل القواعد المنتشرة في دول الجوار "الرئة اللوجستية" التي تكسر عائق المسافات الشاسعة وتمنح الطيران الحربي قدرة التنفيذ والعودة في زمن قياسي، وبدون هذه المنصات الثابتة والمحمية، تصبح فرضية الحرب مقامرة استراتيجية غير محسومة النتائج وكلفة انتحارية لا يمكن لواشنطن تحملها.
وقد أكدت العملية جدية التوجه لتأديب واشنطن التي استغلت حالة "التهيب" الإقليمي لتنفيذ أعمال عدائية، حيث جسد الاستهداف الإيراني لهذه القواعد إدراكاً بأن أمريكا بلا هذه "الغرف العملياتية" هي مجرد قوة تائهة خلف البحار، عاجزة عن الفعل، وفيما تتسابق بعض العواصم لإرسال برقيات احتجاج دولية تنديداً بالقصف، فإنها تتناسى عمداً أن هذه المنشآت ليست مرافق سيادية، بل هي مستودعات بارود وخناجر وضعت في خاصرة الأمة لإدارة العدوان، مما يجعل تعطيلها شرطاً رئيساً لكسر حلقة الإجرام وتجريد الولايات المتحدة وسلطات الاحتلال من التفوق المعلوماتي والميداني.

غرف عمليات لا منشآت سيادية
تشير الشواهد الميدانية إلى أن إستراتيجية "التوريط" الأمريكية قد بلغت ذروتها عبر دمج الأنظمة الدفاعية لبعض الدول ضمن شبكة موحدة تحت قيادة "سنتكوم"، وتبرز هنا قاعدة "العديد" في قطر كأخطر هذه المراكز، حيث تضم المقر المتقدم للقيادة المركزية ومركز العمليات الجوية والفضائية المشترك (CAOC)، الذي يمنح واشنطن سيطرة "ميكروسكوبية" على الأجواء الإقليمية، وبدون هذا المركز تضحي المصالح الأمريكية "عمياء عسكرياً" وفاقدة للقدرة على إدارة صراع عالي الكثافة، كما يبرز الأسطول الخامس في البحرين كغرفة عمليات للبلطجة البحرية، محولاً جغرافيا المنامة إلى "حاملة طائرات ثابتة" لحماية المصالح الاستعمارية وسلطات الاحتلال عبر منظومات "إيجيس" الرادارية.
وفي ذات السياق، تمثل قاعدة "الظفرة" في الإمارات رأس الحربة في الحروب التكنولوجية الغادرة، حيث تنطلق منها طائرات (F-35) ومسيرات (Global Hawk) لتغذية بنك الأهداف الصهيوني بالمعلومات اللحظية، بينما تعمل قواعد الكويت، وتحديداً "علي السالم"، كشريان لوجستي يضمن استدامة الهجمات عبر نقل القوات والذخائر، ولولا هذا القرب الجغرافي، لتحولت محاولات التقدم الأمريكية إلى كابوس لوجستي ينتهي بالهزيمة، وتكتمل هذه الشبكة بقاعدة "موفق السلطي" في الأردن التي تعمل كخط دفاع خلفي لحماية الكيان الإسرائيلي، وقاعدة "الأمير سلطان" بالسعودية التي تُمثل العمق الاستراتيجي لإدارة الحرب الإلكترونية وعمليات التزود بالوقود جواً، بعيداً عن المرمى المباشر للصواريخ قصيرة المدى.

"خداع السيادة" وتجاوز القانون الدولي
في جدلية القواعد العسكرية، تبرز مخالفة صريحة لمبادئ القانون الدولي الذي يحظر استغلال أراضي الدول لشن عمليات عدائية أو إرهابية ضد دول أخرى؛ إذ يفرض التشريع الدولي على الدول المضيفة التزاماً قانونياً بعدم السماح بتحويل أراضيها ومنشآتها إلى منطلقات للعدوان، وهو ما يتجاوزه السلوك الأمريكي الذي استغل تلك القواعد لشن ضربات ضد أهداف عسكرية ومدنية في الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، أكد مندوب إيران الدائم لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، أن طهران لا تستهدف منشآت دول الجوار بحد ذاتها، بل تستهدف حصراً "الأصول الأمريكية" (منشآت وقواعد وأصول) التي تحولت إلى مصادر تهديد للأمن الإقليمي، مع حرص الرئيس الإيراني بزشكيان على التأكيد بأن الدفاع عن النفس لا يتعارض مع استمرار علاقات حسن الجوار والاحترام المتبادل.

طهران .. خط دفاع أول عن كرامة الأمة
وفي تطور ميداني يعكس حتمية كسر شوكة الاستكبار، وسعت إيران من نطاق تحذيراتها لتشمل أي موقع يمكن أن تستخدمه عناصر الإرهاب الأمريكي، مؤكدة أن معركتها الحالية هي معركة تنوب فيها عن الأمة بأكملها ضد استباحة الجغرافيا والثروات، وحذر متحدث القوات المسلحة الإيرانية من أن أي موقع يُستخدم من قبل واشنطن أو سلطات الاحتلال لشن عمليات سيكون هدفاً مباشراً، وهو ما شدد عليه العقيد إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم مركز "خاتم الأنبياء" الإيراني، إثر رصد تحركات أمريكية مشبوهة تهدف لاختراق الحدود، مما يضع آلة الحرب الأمريكية أمام واقع جديد؛ فالتفوق التقني يتلاشى أمام إرادة التحرر، والقدرة على التسلل من قواعد جارة لم تعد تضمن النجاة من الضربات الدفاعية المشروعة.

السيادة أم "دروع بشرية"
بناءً على هذا المشهد المتفجر، يبرز الاستنتاج المر الذي يضعه المراقبون أمام قادة المنطقة؛ فالدول المعنية وجدت نفسها تتحول إلى "دروع بشرية" في صراعٍ لا يخدم مصالحها الوطنية، حيث أثبتت أحداث وتطورات وقائع معركة المواجهة الدائرة بين واشنطن وطهران منذ 28 فبراير 2026 أن القواعد الأمريكية ليست موجودة للحماية، بل هي "مصدات" وخطوط دفاع أمامية لتلقي الصدمات نيابة عن أمن الكيان الصهيوني والمصالح الأمريكية العابرة للقارات، إن مفتاح كسر الغطرسة الأمريكية يكمن في إدراك أن إسكات مراكز القيادة والسيطرة من "العديد" إلى "المنامة" و"الظفرة" هو المسار الوحيد لتفكيك بنية العدوان، وهو ما يضع العواصم المستضيفة أمام خيار تاريخي فاصل: فإما الاستمرار كمنصات ارتهان بانتظار ساعة الدمار، أو استعادة الجغرافيا وتفكيك هذه القواعد لتأمين مستقبل شعوبها من التبعات الكارثية للسياسات الاستعمارية.

سقوط الأوهام وحتمية فك الارتباط
سقطت الأوهام التي سُوقت لعقود حول "المظلة الأمنية"، حيث اضطرت الأنظمة المرتهنة لاستنزاف مخزوناتها من صواريخ "باتريوت" و"ثاد" لحماية الثكنات الأمريكية نفسها، وهو ما يصفه موقع "Middle East Eye" بـ "ارتهان الأمن"، فبدلاً من توفير الحماية المزعومة، أصبح القرار في تلك العواصم تابعاً للرغبة التصعيدية الأمريكية، وفي هذا الصدد، برز مشهد مخزٍ تمثل في فرار القوات الأمريكية من مناطقهم العسكرية للاحتماء بالمناطق المدنية، مبيحين لأنفسهم تعريض المدنيين للخطر، وهو ما يعزز رؤية نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف بأن هذه القواعد لا توفر الحماية بل تشكل تهديداً حقيقياً، واصفاً توقعات دول الخليج للحماية الأمريكية بـ "السذاجة".
إن تحليل مسار العدوان وتوريط المنطقة يؤكد أن الرهان على الحماية الخارجية هو مقامرة خاسرة، وفي هذا المنعطف التاريخي، قدم السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في محاضرته في الخامس من مارس 2026 تشخيصاً دقيقاً، معتبراً أن استمرار الدول كرهائن يمثل انتحاراً سيادياً، وهي الرؤية التي تتقاطع مع الموقف الإيراني الذي أكد أن استهداف القواعد الأمريكية يأتي في سياق الدفاع عن النفس، وأن تعطيل هذه المنصات يؤدي لتفكيك بنية العدوان من جذورها، ليجد المعتدون أنفسهم في حالة شلل تام، وتجد الدول المضيفة نفسها أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار كمنصات للعدوان ودروع بشرية لصراع لا ناقة لها فيه ولا جمل، أو استعادة سيادتها وتفكيك هذه القواعد لتأمين مستقبل أجيالها.


طباعة