معركة الحق المشروع والضرورة الوطنية والإنسانية
تمر اليمن اليوم بمرحلة فاصلة تستدعي حسماً وطنياً واضحاً، فلم يعد مقبولاً الاستمرار في حالة "لا سلم ولا حرب" التي أريد لها أن تكون دائمة، وفي مواجهة ذلك تبرز معادلة "الحصار بالحصار" كحق مشروع وضرورة وطنية وإنسانية لإنهاء المعاناة التي أثقلت الشعب اليمني اثني عشر عاماً،
حيث ارتكزت أولويات المرحلة الماضية على الصمود وبناء مقومات القوة في مواجهة تدخل خارجي وظف كل أدواته لإضعاف البنية الداخلية.
على مدى عقود استخدمت المملكة السعودية ثقلها المالي في الشأن اليمني عبر مسارات متعددة شراء الولاءات، وتدجين القبائل، وتحييد الشخصيات الوطنية والاجتماعية، وتفريغ الأحزاب من أدوارها، وتغذية بؤر التجزئة والانقسام، والهدف كان واحداً وهو إبقاء اليمن في حالة استنزاف تمنع قيام دولة مستقلة قادرة على امتلاك قرارها، وتضمن استمرار النفوذ الخارجي في التحكم بمفاصله.
المفارقة العجيبة أن الجوار الجغرافي الذي كان يفترض أن يكون مدخلاً لعلاقات متوازنة قائمة على الندية والمصالح المشتركة، تحول إلى أداة للتدخل، فمع حدود ممتدة ومشتركة وتشابك اجتماعي وتاريخي، جرى توظيف هذا الامتداد لتأجيج الخلافات القبلية ودعم أطراف ضد أخرى، وخلق بؤر
فوضى تضعف النسيج الاجتماعي، ونتيجة ذلك واقع معقد شديد الانقسام جعل البيئة اليمنية أكثر قابلية للاختراق، وأبقى القرار الوطني مرهوناً بإرادات من خارج الحدود.
اليوم يتجسد هذا التوجه التحرري والاستقلال عملياً في الانتقال من منطق تحمل الحصار إلى فرضه، ومن الدفاع إلى الردع، "القوة بالقوة" و"الحصار بالحصار" لم تعد شعارات، بل سياسة معلنة فرضت نفسها في الميدان، فوصول الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة اليمنية إلى مطارات وموانئ ومنشآت صناعية حيوية داخل السعودية غيّر طبيعة المعادلة بالكامل، فلم تعد المواجهة محصورة في الداخل اليمني، بل انتقلت إلى مستوى جديد من التأثير والقدرة على الردع، وهذا ما دفع دوائر القرار في الرياض لإعادة حساباتها كاملة بشأن كيفية التعامل مع اليمن.
ما يجري ليس مجرد تصعيد عسكري، بل هو إعلان نهاية مرحلة وإعلان بداية أخرى، نهاية مرحلة كانت فيها الوصاية الخارجية هي القاعدة، وبداية مرحلة تؤسس فيها السيادة الوطنية قواعدها، ولقد أثبتت التطورات أن إضعاف اليمن لم يعد خياراً متاحاً، وأن محاولات إبقائه ساحة مفتوحة للتدخل لم تعد ممكنة، وإذا كان الجوار يفرض تشابك المصالح، فإن الاحترام المتبادل وعدم التدخل هما وحدهما الطريق لعلاقة مستقرة بين البلدين.
اليمن اليوم يغلق صفحة الوصاية ويفتح صفحة السيادة ومعادلة "الحصار بالحصار" ليست انتقاماً، بل هي الوسيلة الوحيدة المتاحة لفرض توازن ينهي "لا سلم ولا حرب" ويؤسس لسلام قائم على الندية، لا على الإملاء.
في المحصلة، تواجه السعودية مأزقاً غير مسبوق، فكل محاولات فك الحصار أو الالتفاف أو الاعتماد على الدعم الدولي باءت بالفشل والاستمرار في التصعيد يضاعف الخسائر يومياً ويهدد أسس "رؤية 2030" ومستقبل الصادرات النفطية، والمعادلة واضحة، إما القبول بمنطق جديد يرفع الحصار عن اليمن، أو الاستمرار في طريق مكلف نهايته معروفة، فالبحر الأحمر لم يعد ممراً آمناً ولقد أصبح مرآة تعكس من يفرض الإرادة ومن يدفع الثمن.
لقد أثبتت الأسابيع الماضية أن اليمن حول حصار 12 عاماً إلى حصار مضاد، ومع اتساع رقعة الاستهداف من البحر إلى الجو إلى العمق، تقف الرياض أمام خيارين: الاستمرار في التعنت ودفع كلفة أعلى، أو رفع الحصار عن اليمن والاستجابة لمطالب شعب صمد اثني عشر عاماً.