من ذاكرة الرياضة اليمنية.. حمود العصري لاعبًا ومعلقًا وصانع أجيال
سمير القاسمي:
في ذاكرة الرياضة اليمنية، هناك أسماء مرت مرور النجوم، تلمع ثم تغيب، وهناك أسماء أخرى لا تغيب أبدًا، لأنها لم تكن مجرد حضور، بل كانت مدرسة، وكانت صوتًا، وكانت روحًا تسكن تفاصيل اللعبة.
سمير القاسمي:
في ذاكرة الرياضة اليمنية، هناك أسماء مرت مرور النجوم، تلمع ثم تغيب، وهناك أسماء أخرى لا تغيب أبدًا، لأنها لم تكن مجرد حضور، بل كانت مدرسة، وكانت صوتًا، وكانت روحًا تسكن تفاصيل اللعبة.
ومن بين هذه القامات الشامخة، يقف علي حمود العصري كواحد من أهم الأعمدة التي ارتكز عليها الوعي الرياضي في اليمن، لاعبًا، ومعلقًا، ومعلِّمًا، وصانع أجيال.
لم يكن علي العصري مجرد رجل جلس خلف الميكروفون، بل كان حالة متكاملة، بدأ من الميدان لاعبًا، ومن ثم برنامجه الشهير "عالم الشباب والرياضة"، حيث تشكلت ملامحه الأولى، وتكونت علاقته العميقة بالجماهير، لا كرياضة فقط، بل كحكاية، وكنبض، وكهوية.
في صوته.. ذلك الصوت الذي عرفناه قبل أن نعرف ملامحه. صوت هادئ، رصين، واضح، يسبق المباراة بثوانٍ ويقول بثقة العارف: "معكم علي حمود العصري". لم يكن مجرد تعريف بالاسم، بل كان وعدًا ضمنيًا بأن القادم سيكون مختلفًا، بأن المباراة لن تكون مجرد أحداث، بل قصة تُروى، ولوحة تُرسم بالكلمات!
في زمن كانت فيه الصورة غائبة أحيانًا، كانت كلماته هي الصورة، سمعناه عبر الإذاعة، فشاهدنا بأعيننا ما لم نره، وصف الملعب وكأنه مهندس يرسم مخططًا دقيقًا، يُقسِّمه إلى مربعات، من واحد إلى أربعة ونصف، ومن خمسة إلى ثمانية ونصف آخر، في نظام عبقري.
لقد كان صوته حاضرًا في أكبر المحافل، من مباريات كأس العالم إلى منافسات الألعاب الأولمبية، حاملاً معه اليمن، وممثلاً جيلاً كاملاً من الإعلاميين الذين آمنوا أن الكلمة أمانة، وأن الميكروفون مسؤولية.
علي العصري لم يكن مجرد معلق يصف ما يحدث، بل كان معلِّمًا يشرح، ومربيًا يوجه، وصانع وعي رياضي حقيقي. أجيال كاملة تعلمت منه كيف تُفهم المباراة، وكيف يُحترم الخصم، وكيف تكون الرياضة أخلاقاً قبل أن تكون نتيجة!
ذاكرة تختزن لحظات الفرح، ومرارة الخسارة، ونشوة الانتصار، ذاكرة تربطنا بزمن كانت فيه الكلمة صادقة، والحضور نقيًا، والرسالة واضحة.
واليوم، ونحن نستحضر اسمه، لا نستحضر معلقًا فقط، بل نستحضر مرحلة كاملة من تاريخ الرياضة اليمنية.
مرحلة كان فيها الصوت أهم من الصورة، وكانت المصداقية أهم من الشهرة. الأستاذ علي العصري قامة إعلامية لا تتكرر، ورمز سيبقى محفورًا في وجدان كل من أحب الرياضة، وكل من جلس يومًا قرب مذياع، وأغمض عينيه، وترك لصوته أن يرسم له العالم!
نسأل الله له الشفاء والعافية، وأن يمده بالصحة وطول العمر، فالأصوات العظيمة لا تُقاس بسنواتها، بل بما تتركه في القلوب… وصوته ترك وطنًا كاملاً من الذكريات الجميلة.