في قراءة تحليلية مختصرة .. بعض من جوانب سيرة حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الشهيد علي الخامنئي: الحلقة (2-2)

في الحلقة الأولى المنشورة في العدد السابق استعرضنا بعض من جوانب سيرة حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الشهيد علي الخامنئي لا سيما تلك المتعلقة بجذور النشأة والتكوين وقصة الثورة والإرادة والقيادة والإرث الفكري والمرجعي والزعامة الروحية للأمة طيلة ثلاثة عقود ونيف من الزمن ..

في قراءة تحليلية مختصرة .. بعض من جوانب سيرة حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الشهيد علي الخامنئي: الحلقة (2-2)

في الحلقة الأولى المنشورة في العدد السابق استعرضنا بعض من جوانب سيرة حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية الإمام الشهيد علي الخامنئي لا سيما تلك المتعلقة بجذور النشأة والتكوين وقصة الثورة والإرادة والقيادة والإرث الفكري والمرجعي والزعامة الروحية للأمة طيلة ثلاثة عقود ونيف من الزمن ..

وفي هذه الحلقة نستكمل الحديث عن جوانب أخرى من سيرة الإمام الشهيد علي الخامنئي لا سيما تلك المتعلقة بمواجهة قوى الاستكبار العالمي وعبقريته العسكرية وأبعاد شخصيته الاجتماعية والإنسانية واستراتيجية إدارته لمعركة الثبات والصمود والإفشال لمخططات ومؤامرات الأعداء حتى لحظة استشهاده رحمه الله.

د. فاضل الشرقي *

المحور الخامس: المواجهة مع الاستكبار - الصمود في وجه «الشيطان الأكبر»
1. أمريكا: العدو الرئيسي الأول
منذ مراحل الجهاد الأولى في سنوات مبكرة من العمر وإلى حين توليه القيادة السياسية ثم الولاية العامة وحتى استشهاده، كان الإمام الخامنئي بصيراً بأمريكا وخدعها وخبيراً بأساليبها وألاعيبها ولطالما كان يردد مقولة الإمام الخميني «أمريكا هي الشيطان الأكبر، والعدو الأول لإيران والثورة الإسلامية، والشعوب المستضعفة». فقد كان يرى أن أمريكا هي «رأس الحربة» للهيمنة الغربية على العالم الإسلامي، والداعم الأول والراعي الأكبر لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وسبب كل مشاكل المسلمين والعالم، وأن أي تنازل معها أو خضوع لها هو «استسلام» و»خيانة». ولذا رفض —بشكل قاطع— أي انحناء أمام الضغوط الأمريكية والعقوبات القصوى، وعقد أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن، معتبرًا أن المفاوضات معها لا تجدي نفعًا، وأنه لا يمكن الوثوق بها.
ورغم المفاوضات غير المباشرة التي أدت إلى الاتفاق النووي (JCPOA) في 2015، إلا أنه ظل يحذر من خطورة الاطمئنان إلى أمريكا والغرب، والوثوق بها وتصديقها، وتقديم أي تنازلات سياسية أو قانونية تمس بمصالح إيران وسيادتها وحقوق شعبها. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي في العام 2018 وأعاد فرض العقوبات القصوى، ثبت للجميع حكمة قائد الثورة وسداد رؤيته وبصيرته النافذة.

2. إسرائيل: الغدة السرطانية التي يجب استئصالها
منذ بداية حركته الجهادية وصولاً إلى ولايته السياسية والقيادية العليا، ظل متمسكًا بمنهج الثورة وقيمها ومبادئها وخط الإمام الخميني العظيم، وعدائه المطلق لإسرائيل «الورم السرطاني في جسد الأمة الإسلامية»، وكان يقول إن «تحرير فلسطين من النهر إلى البحر واجب شرعي وإنساني». ولم يكتفِ بالتصريحات والمواقف الإعلامية والتأييد السياسي للقضية الفلسطينية، بل حوّل الكلمات إلى إجراءات فعلية وعملية في طريق زوال إسرائيل، فأرسل السلاح والمال والعتاد للفصائل الفلسطينية في غزة والضفة، وقدم كل الدعم اللازم، وفتح معسكرات التدريب والتأهيل، وجعل من إحياء «يوم القدس العالمي» قضية رئيسية متصاعدة، وتقليدًا سنويًا حاشدًا في إيران وفي أنحاء العالم. وكان في كل لقاءاته وكلماته وتوجيهاته يؤكد على حتمية زوال إسرائيل، ويقول: إن الأجيال القادمة ستشهد زوال هذا الكيان الغاصب.

3. استراتيجية «الصبر الاستراتيجي»
تجلت عبقرية الخامنئي العسكرية في نظريته «الصبر الاستراتيجي» (Strategic Patience). والتي تعني: عدم الانجرار إلى حرب شاملة يريدها العدو في الوقت والزمان غير المناسبين أو الوقوع في حرب داخلية أو فتنة مذهبية وطائفية، وعمل عبر طرق ووسائل أخرى كان يراها أكثر إيلامًا ووجعًا وضررًا للعدو، وسعى في تقوية القدرات الذاتية وتطويرها، وبناء منظومة دفاعية وصاروخية هائلة، ودعم المقاومة المشروعة أينما وجدت. وقد كفلت هذه الاستراتيجية بقاء الجمهورية الإسلامية ونظامها ومنظومة المقاومة رغم كل التحديات والضربات والمؤامرات الخبيثة للصهيونية العالمية، ورغم كلفة التضحيات الكبرى وفداحتها ومنها وفي مقدمتها استشهاده رضوان الله عليه واستشهاد عدد كبير من القادة البارزين في إيران والمحور، إلا أن كل ذلك لم يوهِن عرش الجمهورية الإسلامية، ولم يفت عضدها، ولم يؤد إلى سقوط النظام وإضعافه أبدًا، بفضل تدابيره المحكمة، وترتيباته الصحيحة، وتوجيهاته السديدة؛ وهو الأمر الذي صدم الأعداء وأدهش الأصدقاء، وأذل أمريكا وإسرائيل، وأجبرها على التراجع والاستسلام والخضوع والنزول عند شروط إيران الكبرى في عدوانها الأخير.

المحور السادس: البعد الإنساني والاجتماعي - مرشد الشعب وقائدهم
1. مشاهد الزهد والتواضع
على النقيض من حياة الفخامة والترف التي عاشها أباطرة النظام السابق ويعيشها زعماء عالم اليوم، تميّز الإمام الخامنئي بالزهد والتواضع. وعاش في منزل متواضع في طهران يفترش الحصير، ورفض أن يكون له قصر خاص يرفل هو وأسرته وأهله في نعيمه وزخارفه؛ وجسد —بحق— سلوك جده العظيم الإمام علي بن أبي طالب (ع) وحياته وسيرته وكأنه يعيش في عصرنا الحاضر أو كأننا نعايشه.
ظل الخامنئي المقدس —أعلى الله مقامه— قريبًا من شعبه، يعيش معهم ويعايشهم، ويلامس همومهم، ويعبر عنهم، ويتفانى في خدمتهم وحمايتهم والذود عنهم بكل جدٍّ وحيوية ونشاط وكأنه في ريعان الشباب، وكما تمثل يوما حين قال: عمري إلى التسعين يركض مسرعًا والنفس واقفة على العشرين.
كانت تلك المشاهد والصور وهو يلتقي مع جميع فئات الشعب من يوم لآخر، ويعانق بعض الأولياء المحبين والمصافحين، ويجالس الفقراء والمساكين والمستضعفين، ويقدم الهدايا من جنابه ويده لمن طلبه وسأله تبركًا ورحمة، ويزور أسر الشهداء وروضاتهم، والجرحى وأهاليهم، تعكس صورة «الولي القائد» المتجرد من الماديات، الزاهد في الدنيا، والمخلص لأهداف الثورة.

2. العلاقة بالشباب والعلماء
كان الخامنئي يولي الشباب اهتمامًا بالغًا، معتبراً إهمالهم «أكبر خطيئة». فشجّع الأبحاث العلمية الشابة، وخصص أوقاتًا للقاء طلاب الجامعات وأساتذتها، وأكد على ضرورة دعمهم والاهتمام بهم، وحث على تربية الأجيال القادمة على روح الجهاد والمقاومة. كما كانت له علاقته المميزة الموقرة بالعلماء والحوزات وطلاب العلوم الدينية، علاقة الأب بأبنائه والأستاذ بطلابه؛ يعرفهم بأسمائهم ويهتم بشؤونهم ويحضر مجالسهم العلمية والأدبية الخاصة بهم.

3. المفكر الكبير والقائد الاستثنائي
كان الإمام الخامنئي فيلسوفًا عظيمًا، ومفكرًا كبيرًا، ومنظرًا استراتيجيًا رائدًا في الفكر والسياسة على مستوى العالم بأسره. تميز بنشاطه المتجدد وحيويته المستمرة، وروحه الصلبة ورباطة جأشه، وعلو مكانته ومقامه في قلوب الإيرانيين خاصة وشعوب الإسلام قاطبة. وكانت طاقته وقدراته الفائقة تفوق ما يتمتع به الشباب من حيوية ونشاط، رغم تقدمه في السن. لم يهدأ له بال، ولم يسكن له جأش، وكان دائم الجد والنشاط والعزم في متابعة شؤون إيران والمنطقة والمحور والعالم. ولا يكاد يمر أسبوع واحد إلا وله فيه عدد من اللقاءات المباشرة، إما مع كبار مسؤولي الدولة وموظفيها، أو العلماء والمتعلمين، أو الأكاديميين، أو المهندسين، أو الأطباء، أو العمال، أو الشباب، أو الطلاب والطالبات، أو المرأة الإيرانية، وحتى مع براعم الطفولة. لقد كانت روحه العظيمة الملهمة منقطعة النظير، تركت إرثًا عظيمًا مباركًا، لا ينقطع غيثه ومدده وفوائده، سيظل يغذي الأجيال جيلاً بعد جيل.

4. القائد والوحدة الإسلامية: مشروع القوة الاستراتيجي
كان الإمام الخامنئي من أبرز دعاة الوحدة الإسلامية، ولم يكن ينظر إليها كخيار تكتيكي، بل قضية استراتيجية، يدرك تمام الإدراك أن بقاء الأمة واستقرارها وسيادتها مرتبط بالتماسك والتآلف بين المسلمين، بعيدًا عن الخلافات الطائفية والمذهبية التي يسعى الأعداء لاستثمارها واستغلالها ويعملون على تغذيتها وتوسعتها.
لقد جسّد هذه الرؤية عمليًا بتأسيسه ورعايته المباركة للـ «المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية» منذ عام 1990، الملتقي الذي يعد وعاءً مؤسسيًا لوحدة الصف الإسلامي، ويضم في نشاطاته وفعالياته السنوية علماء ومفكرين من مختلف المذاهب الإسلامية.
كما كان حريصًا على تنظيم «مؤتمر الوحدة الإسلامية» المنعقد سنويًا في طهران منذ تأسيسه في العام 1990، هو مؤتمر دوليّ ينظّمه سنويّا المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في أيّام ذكرى المولد النبوي أو ما يسمّى بأسبوع الوحدة الإسلامية بحضور ومشارکة علماء ومفکرین وشخصيات بارزة إسلامية ووزراء الدول الإسلامية والعلماء والمفتين وأساتذة الجامعات من مختلف دول العالم ومن داخل البلاد. ليكون منبرًا للقاء العلماء وتبادل الرؤى وتعزيز التفاهم المشترك، كما كان يذكّر في كل مناسبة بخطورة مخططات الأعداء في بث الفرقة بين المسلمين ويحلل آلياتها وأدواتها.

5. القائد وإدارة المخاطر والأزمات
في جائحة كورونا الخطيرة التي ضربت إيران بقوة، اتخذ الإمام الخامنئي قرارًا حكيمًا وصائبًا بضرورة ابتكار وإنتاج لقاح إيراني خالص بأيدي العلماء والخبراء والشباب الإيرانيين لإنقاذ حياة الناس ووقايتهم من هذا الفيروس القاتل الذي كانت تقف وراءه بعض أنظمة الفساد والإجرام الدولية، وحرصًا منه على حماية الشعب الإيراني من خطر اللقاحات الأمريكية والبريطانية والغربية المستوردة، غير الآمنة والموثوقة، والتي قد تكون مصنّعة بيولوجيًا لتعطيل شعوب العالم الثالث، وكان هو أول من دشن اللقاح بنفسه أمام عدسات العالم ليبعث برسالة أمن وسلام واطمئنان لشعبه العزيز، الذي ظل يحبه ويحميه ويفديه طيلة حياته. هذا القرار الحكيم أدى إلى إنقاذ حياة مئات الآلاف من الإيرانيين، وأثبت قدرة إيران في المنافسة والابتكار، إذ عُدَّ عالميًا لقاحًا منافسًا لأقوى شركات الدواء العالمية. ولهذا بقي شعب إيران إلى جانبه، مدركًا أنه يريد حمايته من الخداع الدوائي الغربي.

المحور السابع: الاستشهاد - اللحظة التي غيرت كل شيء
1. لحظة الاغتيال
في فجر 28 فبراير 2026، وفي خضم حرب مفتوحة شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران، استُهدف مقر قيادة المرشد في طهران بصواريخ موجهة وغارات جوية أمريكية إسرائيلية مشتركة أدت إلى عروج روحه المقدسة إلى بارئها تعالى، واستشهاده مع بعض من أفراد أسرته الكرام؛ في جريمة أمريكية صهيونية غادرة وغير مسبوقة، قوضت كل الاتفاقيات والمعاهدات الدولية وأجهزت علي أسس النظام العالمي برمته، وكشفت عن الوجه الأمريكي الصهيوني الأكثر إجرامًا وقبحًا وطغيانًا وفسادًا في الأرض.
رفض القائد العظيم مغادرة موقعه المبارك والذهاب إلى الملاجئ للاحتماء وشعبه يتعرض للضرب والقصف والاستهداف، بلا ملجئ أو مأوى، وأصر على البقاء كسائر أفراد شعبه في ميدان الجهاد والعزة والكرامة والإباء، وإن كان ثمن ذلك روحه وتمزيق جسده إلى أشلاء فداءً لشعبه وثورته وبلده الإسلامي ونظامه.
نال الإمام الخامنئي شهادة مقدسة مباركة لا مثيل لها على الإطلاق، وحّدت شعبه وأمته، وبعثت فيهم الروح والحياة من جديد، وفي مقدمتهم مجاهدي الإسلام العظماء وحرس الثورة الشجعان الذين أمطروا العدو بصواريخ بأسهم وعزمهم وثأرهم وأسلحتهم ومسيّراتهم، ونكلوا به تنكيلاً، ودمروا قواعده وحصونه وقلاعه تدميرًا، ببأس الله وقوته، ودماء القائد الشهيد الفوارة المتوقدة الجارفة لأعداء الإسلام وأعداء شعب إيران المسلم العزيز.

2. ردود الفعل الداخلية: وحدة وتماسك
لم تكن شهادة المرشد صدمة عابرة، بل كانت حدثًا مفصليًا بنى عليه العدو كل آماله الخائبة وأطماعه البائسة. لكن الشيء المذهل الذي صدم الأعداء وأوجعهم أن إيران لم تهتز ولم تضعف ولم تسقط ولم تنهار، بل على العكس من ذلك، فقد بعثت من جديد، وازدادت تماسكاً وقوة. فقد أدت إلى:
- وحدة الشعب: ذابت كل الخلافات والتباينات بين النخب السياسية والعلمية وفي الشارع الإيراني، وانصهرت الأمة الإيرانية في روح رجل واحد فقط، هو الخامنئي القائد الشهيد، واصطفت جميعًا خلف القائد الجديد والنظام الصامد، واعتبروا دم المرشد الزكي تحديًا للشعب والنظام: إما أن يسقط أو نقف صفًا واحدًا.
ـ تعبئة شعبية كبرى: تطوّع ملايين الشباب الإيرانيين للانضمام إلى قوات التعبئة والجيش والحرس الثوري، لمواصلة الطريق الذي رسمه قائدهم الشهيد، وللدفاع عن إيران والنظام ومكتسبات الثورة ومنجزاتها.
- تصعيد خطاب الجهاد والمقاومة: أصبحت المقاومة ضد أمريكا وإسرائيل واجبًا مقدسًا في إيران بعد حادثة الاستشهاد، وأصبح علماء وخطباء ومفكرو ومثقفو إيران وساستها في الداخل والخارج يتبنون خطابًا جهاديا موحدًا أكثر تشدّدًا وصلابة وحماسًا من السابق، مع العزم والتصميم على ضرورة الأخذ بثأر القائد الشهيد، والرد بكل قسوة واقتدار على العدوان ومصادره.
- سدّ الفراغ: كان أهم ما في الأمر هو الفراغ الذي سيتركه القائد الشهيد الخامنئي، ومن سيخلفه في قيادة الثورة، ومن هو الولي الفقيه الجديد العادل الجامع للشرائط، وكيف ستسير أمور انتخاب القائد في ظل صدمة الاستهداف وضغوط الحرب وتدخلات الأعداء؟ كانت هذه هي أهم نقطة يراهن عليها العدو الأحمق في تحقيق هدف إسقاط النظام؛ إذ أن الاستهداف الغادر طال القائد الشهيد وبعض أفراد أسرته، وخصوصًا ولده السيد مجتبى، الذي كان العدو يرى فيه أهلية القيادة منذ وقت مبكر، وظل يركز عليه ويثير موضوعه منذ حوالي عقدين؛ لذا كان السيد مجتبى نفسه على لائحة الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي المتزامن مع استهداف السيد القائد الشهيد الخامنئي الأب. ولكن إرادة الله المتعال كانت هي الحاسمة، وكان أمره وتدبيره هو الغالب، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
تولى الله السيد الخامنئي الابن برعايته ولطفه وحفظه وكتب له النجاة والسلامة بأعجوبة، واجتباه ليكون هو القائد الجديد للثورة الإسلامية المباركة، وحامل لوائها العالي ورايتها الخافقة، وليواصل السير بها على خطى الإمامين العظيمين، السيد الخامنئي الشهيد والسيد الخميني المؤسس، دونما أي انحراف أو التباس، ويحافظ على أهدافها السامية، لتبقى في أوجها وعلوها ورفعتها ومسارها الجهادي المقدس، ولو كره الكافرون.

3. ردود الفعل الإقليمية والدولية
محور المقاومة: نعاه قادة حزب الله وحركة حماس والجهاد الإسلامي وفصائل المقاومة وأنصار الله وحركات المقاومة العراقية، وأعلنوا الثأر والحداد، وتوعدوا أمريكا وإسرائيل بالويل والثبور، ووجهوا لها ضربات تدميرية واسعة وقاتلة. وكانت هذه اللحظة تأكيدًا قاطعًا على أن روحية الخامنئي الشهيد ودمائه المباركة ستظل حية في قلوبهم إلى يوم الدين.
الشعوب العربية والمسلمة: رغم أن معظم الأنظمة كانت خائفة وحذرة في ردها الرسمي (ما بين عزاء وتجاهل)، إلا أن الشارع العربي والإسلامي بكاه ونعاه طويلاً. (في العراق واليمن ولبنان وفلسطين والشام ومصر والأردن والمغرب والسودان وليبيا وتونس والجزائر وباكستان وأفغانستان وإندونيسيا وماليزيا وأذربيجان وسائر دول الإسلام، والجاليات الإسلامية في المهجر)، بكى الملايين من أبناء الأمة العربية والإسلامية على قائد الجهاد والمقاومة والإسلام، وتظاهروا وكتبوا آلاف المنشورات والقصائد الرثائية المؤثرة.

المحور الثامن: تداعيات استشهاد الإمام الخامنئي
1. على المستوى الإيراني الداخلي
أحدث استشهاد المرشد فراغًا مؤقتًا لكنه امتلأ سريعًا بانتظام سياسي عجيب، ففي غضون وقت قصير، اجتمع مجلس خبراء القيادة وانتخب السيد مجتبى الخامنئي مرشدًا أعلى جديدًا. الأمر الذي نزل كالصاعقة على رؤوس الأعداء، وأصابهم بالصدمة والذهول، وأدخل اليأس والإحباط إلى قلوبهم، الخامنئي الابن الذي كان حاسمًا وحازمًا وصارمًا في كتابه الأول للداخل والخارج، الذي أكد فيه على عدم التراجع مطلقًا، بل مواصلة طريق الجهاد حتى كسر العدو والأخذ بالثأر والانتقام، وهو ما تحقق بالفعل.
ولّد استشهاد الخامنئي الأب روحًا جهادية جديدة وثوريةً صلبة لا تعرف التنازلات، فقد وجهت قوات الجيش الإيراني وحرس الثورة الإسلامي أعنف الضربات وأقساها إلى رؤوس المعتدين وقواعدهم، وتصدت للعدوان ببسالة منقطعة النظير، وتلقى المعتدون ضربات موجعة في البر والبحر والجو جعلت أمريكا وإسرائيل تتجرعان أشد الندم والألم على جريمتهما الشنيعة وخطيئتهما الكبرى.

2. على مستوى محور المقاومة
استشهاد الخامنئي لم يقتل «روح القدس» التي قادت المقاومة، كما كان يخطط العدو ويأمل. والرد الإيراني وفصائل المقاومة على جريمة الاغتيال كان فوريًا وساحقًا: هجوم صاروخي واسع وعنيف على قواعد أمريكا في المنطقة وبارجاتها في البحار وعلى كيان الاحتلال الخبيث استمر لأسابيع دونما أي توقف. وأثبت الحدث أن المحور لم يكن مجرد فصائل محدودة قابلة للانكماش والذوبان والتراجع مع أول ضربة وإن عظمت، بل كيانًا قويًا صلبًا قادرًا على الثبات والرد والانتقام.

3. على الاستقرار الإقليمي
لقد أدخل استشهاد الإمام الخامنئي المنطقة بأسرها في هزة عنيفة:
لم يكن حدث الاستشهاد وجريمة الاغتيال بالأمر السهل والهين الذي يمكن تجاوزه بمناورات شكلية أو امتصاصه بالعروض المغرية، بل كان أمرًا جللاً توقفت عنده السياسة والدبلوماسية تمامًا، وتقدمت القوة العسكرية الصلبة التي هزت المنطقة بأسرها والعالم بكله، وتلقت قواعد أمريكا ضربات تدميرية عطلتها عن الخدمة والفاعلية في حوالي عشر دول تتواجد فيها منذ ما يقرب من أربعة عقود، وتوقف تصدير الطاقة والمشتقات والبتروكيماويات تمامًا، ودخلت المنطقة في شلل تام، ومعها العالم، وتفجرت نيران الحرب ومعارك الجحيم على كيان الاحتلال الإجرامي، وهو ما لم يكن بالحسبان، وعجزت أمريكا وكيانها القذر عن الحسم العسكري وتحقيق أهدافها المعلنة، واضطرت مرغمة صاغرة ذليلة إلى الجنوح للسلام والنزول عند شروط طهران.

• الخاتمة: الشهيد الأمة خالداً في الأمة
. الأمة والوداع الأخير
تتحضر الأمة الإيرانية بكافة أطيافها، والإسلامية بأسرها، وجموع أحرار العالم، للحظات التشييع المهيب والوداع الأخير والتاريخي، لأعظم قائد إسلامي معاصر، وإمام مجاهد وثائر وشهيد، قاد مسيرة الجهاد والمقاومة أربعة عقود، وصنع أمجاداً خالدة في تاريخ الأمة.
تنطلق مراسم التشييع والوداع بدءأً من يوم السبت ١٩ — ٢٤ من شهر محرم ١٤٤٧هـ الموافق 4 — 9 تموز / يوليو 2026 في عدد من المدن الإيرانية حسب بيانات اللجنة المعنية بالإعداد والتحضير لهذه المراسيم الكبرى بموازاة ذكرى عاشوراء الأبدية والمظلومية الحسينية الخالدة، حيث تتجلى أعظم المناسبات وأسماها، لتلتقي دماء الشهيدين العظيمين في مسيرة واحدة، وتتشابك الأرواح الحسينية المباركة في ذات الأهداف والقيم، وركب من النور والخلود مع الجَدّ والحفيد.
هذه اللحظات الاستثنائية في مسيرة البشرية ستغير المشهد الإقليمي برمته، وترسم معادلات جديدة في الصراع مع أمريكا وكيان الاحتلال الإسرائيلي، حيث سيتحول الدم الزاكي للقائد الشهيد إلى وقود يحرك مسيرة التحرير، ويلهب قلوب الملايين من المجاهدين والأحرار في كل مكان.
يتوافد ملايين المحبين والمجاهدين والأحرار من كل حدب وصوب، حاملين رايات العزة والكرامة، مرددين هتافات الوفاء والبيعة، وشعارات «انتصار الدم على السيف»، ومؤكدين على استمرار خط الثورة والجهاد والمقاومة حتى تحقيق النصر الكامل وزوال الظلم والاستكبار عن ربوع الأمة الإسلامية والعالم أجمع.
ستخلد هذه المشاهد في ذاكرة التاريخ، وسيبقى هذا التشييع المهيب عنواناً لوحدة الأمة الإسلامية، ومبعثاً جديداً لقيم الثورة والحرية، وميلاداً للأحرار والشرفاء، وتجسيداً للإرادة القوية التي لا تلين، وتأكيداً على أن دماء الشهداء هي التي تصنع الحضارات وتحرر الأوطان، وأن قادة الأمة يعيشون فيها مؤبدين وفي القلوب خالدين، ولو رحلت أجسادهم.
ستكون هذه اللحظات الفارقة بمثابة انطلاقة جديدة في مسيرة الجهاد والنضال والتحرر، تبعث الأمل في نفوس المستضعفين، وترعب المستكبرين والظالمين، وتؤكد حتمية زوال أمريكا والكيان الصهيوني، وتحقيق وعد الله بالنصر للمؤمنين المجاهدين الصادقين.

. العروج والحياة والخلود
رحل الجسد، لكن الروح ستبقى. إذ لا يمكن لأحد أن ينكر أن السيد الخامنئي الشهيد كان استثناءً تاريخيًا، وأن أمة الإسلام العصية على صخور التجزئة والاستكانة والذل، وجدت فيه صوتًا عالياً في وجه الاستكبار ويدًا صلبة قوية رافعة للواء العزة والكرامة والإسلام.
لقد مثل استشهاد المرشد الخامنئي حياة للشعب الإيراني بأكمله والأمة جمعاء، وتذكيراً بأن الطريق طويل، وأن التضحيات الجسام هي الجسر الوحيد لعبور الهزيمة إلى الإنتصار والعبودية إلى الحرية والسيادة والاستقلال، وأن قادة الأمة هم أيقونة نصرها وثباتها ومجدها وخلودها على طريق الحسين وعاشوراء وكربلاء.
نعم، رحل القائد شهيدًا في رحاب الأنبياء والأولياء، ومحراب العبادة والجهاد والمقاومة، لكن إرثه الخالد باقٍ أبد الآبدين، وأمة الجهاد والمقاومة باقية كذلك، وأن فلسطين ستحرر، وأمريكا وإسرائيل إلى زوال.

*عضو المكتب السياسي لأنصار الله


طباعة