لحظة الخلاص الاستراتيجي والتحولات الكبرى.. كيف يُقرأ الانتصار الإيراني ؟! (دراسة تحليلية)
دخلت منطقتنا في نقطة فاصلة ودقيقة من تاريخها، ووصفها الدقيق هو أنها مخاض لحظة الخلاص الاستراتيجي لشعوبنا العربية والإسلامية، وتتشكل ملامح نظام إقليمي على أساسه يتحدد شكل النظام الدولي الجديد ..
دخلت منطقتنا في نقطة فاصلة ودقيقة من تاريخها، ووصفها الدقيق هو أنها مخاض لحظة الخلاص الاستراتيجي لشعوبنا العربية والإسلامية، وتتشكل ملامح نظام إقليمي على أساسه يتحدد شكل النظام الدولي الجديد ..
وهذه النقطة الفاصلة والفارقة في مسار تاريخ المنطقة هي نتاج ومحصلة تضحيات، وكفاح، وجهاد، وإنجازات، وانتصارات، وتجارب مريرة متراكمة، خاضها محور الأحرار والإيمان بصفته طليعة ومعبراً عن شعوب ومجتمعات كريمة وشريفة ووفية من كل مكونات وأطياف الأمة طيلة عقود. فرضت عليها قيم الحرية والكرامة ودوافع البقاء مواجهة حملة استكبار وعدوان واستباحة، وسيل من المؤامرات والفتن يشنها العدو الأمريكي والغرب الاستعماري، برسم أجندة أطماع الكيان الصهيوني وخرافة إسرائيل الكبرى.. تفاصيل في السياق التالي :
حميد القطواني
كانت رؤية ذلك التوجه والنهج ترتكز على استراتيجية المقاومة والتصدي للهيمنة الطاغوتية للعدو الأمريكي، الذي جرّع شعوب أمتنا المرار وكؤوس البؤس الأليم منذ أن وطئت أقدامه منطقتنا العربية بفضل عروش "أبو رغال" المعاصر.
وفي مسار آخر موازٍ، دعم المحور صمود الإرادة الفلسطينية، ومنع تسليم وذبح قضية الأرض المحتلة والشعب الفلسطيني صاحب الحق المضطهد الذي يتعرض للإبادة والتهجير، والمقدسات التي تتعرض للاستباحة ومؤامرات التدمير والهدم. إلى جانب تعزيز دفاعات وسواتر خطوط المواجهة المتقدمة حول فلسطين مع الكيان الصهيوني، كخط دفاع أخير يكبح الأطماع التوسعية التي تضع رؤوس جميع شعوب ودول أمتنا العربية والإسلامية على رأس قائمة الاستهداف.
الفارق أن المهندس الصهيوني، قبل أن يأتي الدور على بعض الدول والممالك، وضع مهمة أخيرة على عاتق بعض حكامها المأزومين الخاضعين للابتزاز في سياق صفقات مشبوهة، تتطلب منهم تقديم ممالكهم وشعوبهم ودولهم قرابين ضد إيران – حجر الزاوية في كبح الأطماع الصهيونية – مقابل وعود الوهم بصنع جسور تأمين العروش. وليس هذا مقام محاكمة، إلا من باب الإشارة إلى ثغرات محتملة قد تتسبب في إرباك مسار التحول الكبير في المنطقة وسقوط مشروع خرافة إسرائيل الكبرى.
تحرك ضروري لوضع حد للمقامرات الخاسرة
وهذا يستوجب من النخب والأسر الحاكمة في الدول والممالك التي تورط أمراؤها في الرهان على الكيان الصهيوني التحرك لوضع حد للمقامرات الخاسرة بمصير ممالكهم وأوطانهم، بإزاحتهم أو تجريدهم من السلطة والنفوذ، كنتيجة طبيعية، وثمن للرهانات الخاسرة والكارثية اليوم.
وعلى مدار عقود من البناء وإعادة البناء، والتطوير والإعداد المستمر والمواكبة، وتقديم التضحيات الجسام بالعظماء أفراداً وقادة بكل استبسال، سطروا خلالها الملاحم البطولية، وصنعوا المعادلات الصعبة بإمكانات بسيطة ومحدودة، محاربين في بيئات سياسية وأمنية واقتصادية تشكل حقلاً من مصائد وأفخاخ لكل تحرك مقاوم حر وشريف، تحت سلطة أنظمة محلية وإقليمية متواطئة وخاضعة بل وعميلة، وبعضها تحت الاحتلال المباشر، في مواجهة تمتد من الساحة الفلسطينية إلى لبنان والعراق.
وبالرغم من كل تلك المعوقات والتحديات والتهديدات والحرب الضروس من القريب والبعيد، أنجز المحور معظم طريق الحرية باتباع استراتيجية المقاومة، والأمل يحدوهم بإيمان راسخ يروه بعين اليقين بالوصول إلى هذه المرحلة – مرحلة التحرير والخلاص الاستراتيجي – بإسقاط الهيمنة الأمريكية، وتفكيك الاحتلال والأطماع الصهيونية، واستعادة الحق الفلسطيني.
الانتصار الإيراني بمعناه الاستراتيجي
لحظة الخلاص الاستراتيجي التي دخلتها منطقتنا وشعوبنا اليوم هي الانتصار الإيراني بمعناه الاستراتيجي الحاسم، الذي يتجاوز اتفاقاً يحمل مضامين والتزامات لن تنفذ في أغلبها من قبل عدو غادر ناكث للعهود وممزق للاتفاقيات. ولا يعدو رضوخ الأمريكي واستجداؤه للحصول على هذا التوقيع والاتفاق، كمخرج هروب وانسحاب من المعركة والساحة – سواء تحقق اتفاق أم لم يتحقق – إلا في حالة تم اخضاعه بملفات ابتزاز أو صفقات تقايض أزماته في الداخل، وبالذات ورطة الانتخابات القادمة، مقابل إعادة أمريكا إلى مستنقع مميت قرباناً لخرافة إسرائيل الكبرى.
وهذا هو معنى الانتصار الإيراني الذي نتحدث عنه، والذي يتخلص في تحطيم وسحق هياكل الوجود العسكري والجيوسياسي لأمريكا في المنطقة على صخرة الصمود والاقتدار الإيراني، ومن خلفها حلفاء يديرون مواقف منسقة بأبعاد استراتيجية تفكك وتحيد وتطيح بمحاولات الالتفاف.
معنى الانتصار الإيراني الذي نقل أمريكا من حالة الاختناق الاستراتيجي إلى وضع الانكسار والعجز الجيوسياسي، تحت ضغوط أزمات الدمار الذاتي من الداخل، والانكشاف أمام الخصوم والحلفاء في الخارج، وخسارة الرهان على إنجاز أهداف حرب يفترض أنها خاطفة تحولت إلى مستنقع. فتضاعف عدد أزمات الدمار الذاتي التي تفخخ أمريكا طولاً وعرضاً في لحظة أفول مكشوف، كشف حسابها الثقيل وسجل انعدام الثقة في أمريكا كقوة وموثوقية ومستقبل لدى الحلفاء قبل الخصوم، وتجاوز كل حد. ووجد الجميع في تبعات الصمود والانتصار الإيراني ظرفاً مثالياً، من منظور المصالح الاستراتيجية الكبرى، لتصفية تلك الفواتير.
نتحدث عن الانتصار الإيراني الذي برز في تطوير المعركة ضد الصهيونية في أمريكا والغرب، ونقلها من مستوى الاستياء من جرائم الإبادة الإسرائيلية والتعاطف مع المظلومية الفلسطينية في غزة، التي كشفت ظهر الصهيونية الغربية وعرّت وجهها القبيح، إلى طور مواجهة مفتوحة في معركة دفاع ذاتي وثورة تحرر. رأس حربتها جيل جديد، ومعها طلائع نخب ومجتمعات تقاطعت جميعاً في مربع إدراك التهديد والخطر الصهيوني الذي يستبيح ويعربد بأمريكا ومصيرها، ويخوضها في كل ساحات المواجهة بوعي عالٍ للعبة ودهاليزها، ورفع مستوى الحساسية تجاه كل ما هو صهيوني وإسرائيلي ومن يخدم أجندتها.
هذا يكشف مؤشراً حاسماً على أن المدى القريب والمتوسط ستكون نتيجته الحتمية سقوط النفوذ الصهيوني أو انحساره إلى مستوى الجيوب المحصورة من بقايا نفوذ الجيل التقليدي. وربما يتم الإجهاز عليه بسن تشريعات تضع كل أنشطة ونفوذ إسرائيل والصهيونية كتهديد على قائمة الحظر والملاحقة، ما لم تستغل آخر أوراق ذلك النفوذ الصهيوني ورعاته في السلطة المالية المهيمنة لدفع الظروف في أمريكا نحو الانفجار والتدمير الذاتي، لإعادة خلط الأوراق وإنتاج الهيمنة الصهيونية من جديد. خاصة بعد فشل أمريكا في تمكين إسرائيل الكبرى، حيث كانت محاولة أخيرة ربما لن تتوفر لها فرص لإعادتها من جديد بنفس زخم السيطرة الصهيونية المباشرة التي تجاوزت قرار وتقديرات المؤسسات الأمريكية ورأي ومصالح ومواقف الحلفاء.
الكيان يعجز عن تحمل الكلف والتبعات
كما أن قدرة الكيان كمؤسسات ووضعه الداخلي دخلت مرحلة العجز عن تحمل المضاعفات والكلف والتبعات، والوضع على شفير فقدان السيطرة. كما أن الوقت بدأ ينفد، وأوشكت الهياكل المتطرفة رافعة المغامرات الانتحارية على السقوط بالضربة القاضية، والبديل قوى متناقضة ومبعثرة. وحتى إن استمرت العصابات المتطرفة متماسكة والنظام في الكيان مسيطراً نسبياً، فهذا لن يُغطي حالة الانكشاف والعجز والعزلة للكيان، ودخوله مرحلة التفسخ والتمزق والتداعي من الداخل والخارج.
وهذا رهان مباشر من مسيرة عقود من استراتيجية المقاومة، ومسار حاسم في مرحلة التحرير كنتيجة نهائية لحظة الخلاص الاستراتيجي للمنطقة.
الحالة الإسرائيلية ما قبل السابع من أكتوبر
في غزة – صاحبة الفضل الكبير في حسم المعركة – كان الكيان الصهيوني من الداخل يعاني أزمات وتصدعاً وصراعات قيد الاحتواء والسيطرة. وإقليمياً، بلغ مرحلة الاجتياح الجيوسياسي في المنطقة، ابتداءً من مسار تطبيع الإمارات وملحقاتها كطلائع للخطوات الكبرى في مخططات مشروع إسرائيل الكبرى.
تلا ذلك نقل التموضع الجيوعسكري في هيكل إدارة النفوذ العسكري الأمريكي من القيادة الأمريكية في أوروبا إلى القيادة العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، ودمجها في تحالفات بحرية واستخبارية وتكامل دفاع جوي تضم السعودية ومصر ودولاً عربية وإسلامية أخرى، كمقدمة للتطبيع وإقامة تحالف عسكري إقليمي بقيادة إسرائيل، ودعم وتمكين أمريكي للدور المهيمن الإسرائيلي كمحور ارتكاز وموقع زعامة تفرض سيطرتها على كل شؤون دول "تحالف القرابين الإبراهيمي".
حيث اكتمل العمل على ذلك المخطط، وكان على بعد أشهر من ساعة الصفر لإعلان التحالف الصهيوني، وتم التحضير للإخراج السياسي التمهيدي بإعلان التطبيع تحت عنوان التزام أمريكا بخارطة طريق لحل القضية الفلسطينية. وبالتزامن مع الإعلان عن الانتهاء من عمل هيكل التحالف الصهيوني والإخراج السياسي، في ذات الشهر – أي في شهر سبتمبر – قام بن سلمان وبن زايد بالتوقيع مع الهند على مشروع القطار الهندي وخطوط نقل النفط والثروات والموارد، لتربط موارد وثروات وحركة تجارية في الخليج بالكيان الصهيوني. وبهذا اكتملت السيطرة الإسرائيلية، وتشكل نظام إقليمي عسكري واقتصادي وأمني يتوّج الكيان الصهيوني على عرش الزعامة.
لتكون أول أعمال هذا الحلف الصهيوني العدوان على إيران وإسقاط الدولة وتمزيقها، ليبدأ تأثير الدومينو على البقية: تركيا ومصر والسعودية وباكستان والجزائر والعراق وسوريا، بإدارة إسرائيلية مباشرة في عملية إعادة هيكلة جغرافيا المنطقة بمقاسات الزعامة الصهيونية، وإعادة رسم الخرائط، وإطلاق مرحلة التوسع الجغرافي لإقامة إسرائيل الكبرى من مصر إلى السعودية والعراق وسوريا والأردن وصولاً إلى تركيا.
وهذا يفسر تصريحات مسؤولين أمريكيين صهاينة، ابتداءً من ترامب الذي تحدث عن حجم إسرائيل الصغير في إشارة لدعم أطماع التوسع، إلى السفير السابق في لبنان الذي تحدث عن سقوط خرائط وحدود سايكس-بيكو، والإشارة واضحة: سقوط الشرعية السيادية للدول، والبديل خارطة إسرائيل الكبرى.
الحالة الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر
وبعد السابع من أكتوبر وصمود غزة والغرق في مستنقع الإبادة والاستنزاف الفتاك عسكرياً وسياسياً واستراتيجياً، سقط الكيان وأركانه كفكرة وطن وحالة أمن وأمل بالاستقرار في ذهن قطعان الاحتلال وكل يهودي في الغرب أو الشرق تراوده فكرة الهجرة للاستيطان، بعد فقدان الثقة بالعدالة والنظام والقانون وسقوط كل مفاهيم الدولة من الداخل.
وعلى مستوى الخطط الاستراتيجية الحاسمة التي كان يراهن عليها "النتن" (نتنياهو) ومهندسو خرافة إسرائيل الكبرى من قادة النفوذ المظلم في الغرب، لتحقيقها وإعادة إنتاج إسرائيل في شكل أوسع وأكبر وسيطرة جيوسياسية إقليمية ودولية، لتكون بديلاً عن مؤسسات وهياكل النظام التقليدي التي تم تقويضها وزعزعتها واستهلاكها إلى حد الإنهاك والسحق – كل ذلك كانت أهم تبعات طوفان الأقصى: تعطيل هذه المخططات والتحركات، وقلب الطاولة عليها، وتعرية كل المتورطين على مستوى المنطقة والغرب في تلك المؤامرات وجرائم الإبادة.
ومن هنا تشكل "طوفان السخط والوعي" الذي فكك خيوط اللعبة وحاصر الأدوار المشبوهة في زاوية الانكشاف، وأنتج في المجمل عزلة وحصاراً وملاحقة دولية، وانكشافاً جيوسياسياً مدمراً لمنظومة العلاقات وشبكات النفوذ الصهيونية الدولية، وبالذات في أمريكا والغرب.
ومع ذلك، كان نتنياهو وخلفه الصهيونية العالمية يدفع باتجاه "الهروب للأمام" بإشعال الحروب لتحقيق عدة أمور:
· الهروب من أزمات داخلية خرجت تبعاتها الكارثية عن السيطرة، أكبر من محاكمة المجرم نتنياهو، ولن يحقق عزلة إلا سقوط آخر سلطة متصلبة في هياكل مؤسسات تم تقويضها وإفراغها، ونظام تم حصر شفرة بقائه قائماً بنتنياهو، ومصيره مرهون بمصير مخططات إسرائيل الكبرى.
· المكابرة على حالة الاختناق والانكسار والعجز الاستراتيجي، ومحاولة إثبات أن إسرائيل قوية بذاتها حتى بدون أمريكا في إخضاع وتدمير أي قوة أو دولة في المنطقة، لوقف حالة النزيف الحاد بالرحيل والهجرة العكسية والانهيار المعنوي لفكرة إسرائيل لدى المستوطنين، ومحاولة إقناعهم بأن إسرائيل مسيطرة وقادرة على منحهم الأمان والاستقرار بالبقاء.
· بالتزامن، محاولة إرهاب الدول المرشحة لحلف القرابين لإجبارها على إعلان انضمامها للحلف الصهيوني، والانتقال من مرحلة الأدوار خلف الكواليس إلى الشراكة المباشرة.
الحالة الإسرائيلية بعد الانتصار الإيراني
الكيان الصهيوني دخل مرحلة ترك المصير للداخل المفكك الغارق في فوضى، برحيل "النتن" الذي حرفياً دمر هياكل كيان دولته، وسيكون البديل عن الفراغ والنظام المتصدع والمؤسسات المستنزفة والواقع الداخلي المفخخ بحرب أهلية.
بعد سقوط الرهانات على مخططات التوسع، والعودة إلى وضع الانكماش الاستراتيجي، مع بقاء قدرة التظاهر في تنفيذ مناورات نارية أو استخبارية هنا أو هناك، لكن الحقيقة أن الكيان يتآكل، وتتداعى عليه طوفان الهزائم والأزمات والصراعات والانقسامات والعزلة الدولية، وانقلاب البيئة الغربية الداعمة إلى جبهات صراع مفتوح وصريح ومصيري في مواجهة غضب وسخط وحالة عداء الشعوب الغربية بأجيالها الصاعدة، النابع من إدراك دوافع ذاتية يرى فيها معركة مصيرية في مواجهة تهديد أجنبي وخطير.
بمعنى أن "النتن" فكك مؤسسات الكيان الصهيوني في معركة داخلية مفتوحة بدأها في 2016 على القوى التقليدية بدون خطوط رجعة، لتفكيك الحسابات التقليدية المتعلقة بمقامرات انتحارية ومخاوف المستوطنين من دفع أثمان تهور متطرفين في حروب لم يأتوا من أجلها.
فكان رد القوى التقليدية على "النتن" بلف حبل المحاكمة والحبس حول رقبته. وكان هو يراهن على اكتمال استعداداته للقفزة الكبيرة وإقامة إسرائيل الكبرى بهياكل ومؤسسات أكبر على أرض أقوى. فعاد إلى دولة متصدعة فككها بيده، ومجتمع احتلال وافد بحثاً عن وعود بالرفاهية والوطن المجاني، فوجدوا أنفسهم عالقين في حروب، في وضع اجتماعي غير متجانس أنتج كراهية وعنصرية وخوفاً تجاه بعضهم البعض يولد التناحر، ومؤسسات مستنزفة في ظل نظام لا يمتلك قدرة التغيير أو السيطرة، وسلطة مهزومة ومأزومة تحولت إلى لعنة وتهديد للكيان برمته.
ومع ذلك، لن يسقط اليمين المتطرف المعبأ والمسلح على الأرض، ولن يبقى في السلطة. ولن يستعيدوا نظاماً أو قانوناً أو شرعية تحفظ الأمن وتبسط السيطرة، بل فوضى متدرجة ومتدحرجة تأكل بعضها بعضاً، بين سلطة حلف خصوم نتنياهو مبعثرة ستضطر في مرحلة معينة وقريبة للمواجهة وتفعيل كل أدوات حكومة ضعيفة ومؤسسات متصدعة ومنهكة، ومنها الأدوات القضائية والأمنية، لبسط سيطرتها على شارع وعصابات مسلحة متطرفة خرجت من قمم الاحتواء ولا تعترف بأحد.
وكما كانت بداية تشكل نظام وكيان يسمى دولة إسرائيل بمواجهة وتفكيك عصابات "الهاغانا" بعد انتهاء دورها في تنفيذ الإبادة والتهجير للفلسطينيين في مرحلة ما قبل الدولة، ثم تم تفكيكها لأن وجودها أصبح مهدداً وجودياً لنظام ومؤسسات الكيان، ستكون نهاية هذا الكيان بمواجهة هذه العصابات الشعبوية الإرهابية. ولا خيار أو مخرج من المواجهة: إما تكون تلك العصابات هي الحاكم الذي سيطيح ويصفي كل خصومه ومعارضيه بالإرهاب والتطرف، مما يضعها في مواجهة اتجاه إجباري مع القوى والمؤسسات والنظام الحاكم في ظرف وضع لكيان الإبادة ظهره مكشوف ومعزول ومنبوذ إقليمياً ودولياً، سقطت أقنعة شبكات تأمين الدعم والغطاء والنفوذ الصهيوني في الغرب، وأسفرت عن وجه قبيح استغلالي متآمر ومتربص وحقود على الشعوب الغربية.
خارطة النظام العربي والإسلامي الجديد
من طوفان غزة إلى الانتصار الإيراني سقط مشروع الشرق الأوسط الإسرائيلي بسقوط حلف الناتو الصهيوني والتطبيع، وتفكيك مسار الضم والإلحاق عبر حكام وأمراء ومسؤولين عرب وخليجيين لجرّ دولهم إلى هذا التحالف.
وبدأت تتشكل مرتكزات نظام أمني جديد للمنطقة كالتالي:
الأول: تثبيت وتطوير تموضع وحدة الساحات ومحور المقاومة، مع وضع عربي وإسلامي أكثر تنسيقاً وقابلية كأمر واقع، واستراتيجية انفتاح المحور على المقاربات والتقارب والتسويات المنصفة بضمانات حقيقية ترعاه قوى دولية ذات موثوقية لم تتورط في دعم العدوان والجرائم الصهيونية بحق شعوبنا.
الثاني: ذهاب السعودية لعقد تحالف عسكري مع باكستان يعطل أي مسار للتحالف مع إسرائيل، كما يوفر مظلة أمنية نووية – وإن كان بالحد الأدنى – كقوة ردع تجاه أي طرف أجنبي يتقاطع مع العقيدة الوطنية للشعب والنخب والمكونات الباكستانية، ووسيط لتسويات الخلافات داخل المنظومة الإسلامية.
الثالث: حرب أمريكا على إيران، وصمود إيران وتفعيل ورقة هرمز، فرضت على دول الخليج كمركز للطاقة والثروة التي تنحصر دورتها في منظومة البترودولار والبنوك الأمريكية – فرضت واقعاً جديداً يحتم البحث عن خطوط نقل تجارية وطاقة إضافية تسمح بتدفق الحركة عبر المنطقة. فكانت الوجهة الجديدة: خط سكة حديد وخط نقل طاقة يمتد من الخليج تكون السعودية مركز الانطلاق الرئيسي، ويمتد عبر الأردن وسوريا إلى تركيا، والذي تم توقيعه بين تركيا والسعودية قبل أيام. هذا يعني إعادة توزيع الموارد والمصالح المحصورة على الغرب طيلة عقود على شعوب منطقتنا، بعيداً عن إسرائيل وبديلاً عن مشروعها، وهذا يخدم ازدهار شعوبنا العربية والإسلامية وتشكل نظام اقتصادي يمتلك قدرة السيادة الاقتصادية.
الرابع: انقلاب الوضع الملتهب والعدائي بين تركيا ومصر إلى تقارب أمني وسياسي مهم، وشراكة وتعاون في مجالات عسكرية.
خلاصة واستنتاجات
غزة صاحبة الفضل الأكبر في حسم المعركة، وما يجري من عدوان على إيران ولبنان هو سياق لواحدية المعركة التي بدأت بالكفاح المسلح بأسلحة شخصية في مواجهة الاحتلال لتحرير جنوب لبنان قبل أربعين عاماً، تلاها تحرير غزة، وتوجها طوفان غزة وصمودها الذي كلله الانتصار الإيراني مفتاح مرحلة الخلاص الاستراتيجي وصولاً للتحرير الأكبر.
لذا، فإن غزة هي المؤشر الحاسم لمدى ثبات واستقرار مكاسب التضحيات في تأمين لحظة الخلاص الاستراتيجي. وهذا ما يجب العمل عليه بحزم وثبات، وتوظيف الظروف والتقاطعات الإقليمية في سياق وقف النزيف والمعاناة والعربدة والجرائم الصهيونية، ورفع الحصار وانسحاب القوات الإسرائيلية منها.
كما يشكل استحقاق وضع نهاية للعدوان والحصار في اليمن المعيار الحاسم لمصداقية وجدية التحولات والتحالفات العربية والإسلامية الجديدة، وبوصلة تكشف نوايا ورهانات بن سلمان المتورط في دعم أذرع الصهيونية في واشنطن والممول لمشاريع حروب نتنياهو. وهو الباب الذي إذا انتقل إلى مرحلة السلام والاستقرار وإعادة الإعمار وبناء الاقتصاد، ستُغلق أبواب الحروب الكبرى وتكتمل التحولات في المنطقة بما يضمن استقرار النظام الإقليمي العربي والإسلامي الجديد.
ختاماً، هذه المكاسب التي صنعت نقطة التحولات الكبرى، القريبة من إنجاز الغايات الكبرى في لحظة الخلاص الاستراتيجي، تحتاج إلى حراسة وتأمين، وقراءة عميقة وواعية، وجهوزية في ذروة الحساسية والفاعلية والاستجابة، وقرارات بأيدٍ صلبة تمتلك البصيرة والرؤية لا ترتعش ولا تتطرف، تضبط إيقاع الميدان الجيوسياسي والعسكري والأمني على مستوى الداخل لقوى ودول المحور وعلى مستوى المنطقة. وربما نبدأ الخروج الآمن من النفق المظلم لعقود خلال أشهر معدودة موعودة، في حالة ثبات واستقرار المكاسب للانتصار والتضحيات، موعودة بتحقق مفاعيل ذلك التحولات الكبرى المتتالية.