في دراسة تحليلية للمفهوم والتطور والأهداف والأبعاد والتداعيات .. علاقة إسرائيل بالأقليات في النطاق الجغرافي (العربي - الأفريقي )
عادةً ما يُطرَح الدعم الإسرائيلي الظاهري للأقليات في المحيط العربي - الأفريقي ضمن إطار خطابي جاذب، يرتكز على سرديات الحماية والتعددية وبناء الجسور الثقافية. بيد أن فحصًا تحليليًا متعمقًا لهذا الخطاب يكشف عن تناقض صارخ بينه وبين الممارسة الفعلية،
عادةً ما يُطرَح الدعم الإسرائيلي الظاهري للأقليات في المحيط العربي - الأفريقي ضمن إطار خطابي جاذب، يرتكز على سرديات الحماية والتعددية وبناء الجسور الثقافية. بيد أن فحصًا تحليليًا متعمقًا لهذا الخطاب يكشف عن تناقض صارخ بينه وبين الممارسة الفعلية،
حيث يتم تحويل الجماعات الهوياتية من فاعلين اجتماعيين وطنيين إلى وحدات وظيفية ضمن معادلة أمنية أعقد .. تفاصيل في السياق التالي :
الدكتور / علي الرحبي
تبرز أهمية دراسة وتحليل موضوع علاقة إسرائيل بالأقليات في النطاق الجغرافي (العربي - الأفريقي ) من ارتباطه العضوي بجوهر "الأمن القومي العربي" واستقرار "الدولة الوطنية" وقدرتها على "إدارة التنوع". فمنذ التأسيس، لم تعامل إسرائيل مسألة الأقليات كقضية حقوقية مجردة، بل استوعبتها كـ "رأس حربة" استراتيجية لإعادة تشكيل المحيط الإقليمي المعادي وإدارة صراع الوجود الطويل الأمد، سواء عبر التحالفات الظرفية أو الاختراق الناعم أو استثمار الاحتقانات الداخلية ،تشير أدبيات العلاقات الدولية النقدية إلى أن "نقل" الصراع من المستوى الدولي (دولة ضد دولة) إلى المستوى المجتمعي الداخلي يُعد إستراتيجية فعالة تتيح للفاعل الخارجي تقليص كلفة المواجهة المباشرة وإعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه، محوِّلة إياه من صراع على الأرض والسيادة إلى صراع مجرد حول الهويات والانتماءات.
إشكاليات وأسئلة بحثية
بناءً على ما سبق، يمكن صياغة الإشكالية المركزية في السؤال التالي: "كيف تحوّلت العلاقات الإسرائيلية مع الأقليات من إطار خطابي حقوقي إلى أداة استراتيجية متعددة الأبعاد لتحقيق أهداف جيوسياسية وأمنية عليا، وما انعكاسات هذا التحول البنيوي على مستقبل الدولة الوطنية والأمن الإقليمي العربي؟
ويتفرع عن هذه الإشكالية الأسئلة البحثية التالية: ما الجذور التاريخية والتطور البنيوي لسياسة إسرائيل تجاه الأقليات في المنطقة؟ وما الأهداف الاستراتيجية المباشرة وغير المباشرة التي تسعى إسرائيل لتحقيقها عبر هذه العلاقات؟ وما طبيعة التداعيات الإقليمية والمجتمعية المترتبة على هذه السياسة، وكيف تؤثر على التماسك الوطني والأمن الجماعي العربي؟
منهجية تحليل استراتيجي مقارن
للتوصل إلى الإجابات المطلوبة عن التساؤلات السابقة تبرز أهمية اتباع منهجية "التحليل الاستراتيجي المقارن"، الذي يربط بين تطور الخطاب الرسمي والإعلامي من جهة، والممارسات الميدانية والسياسات الفعلية من جهة أخرى، وذلك في سياق بيئة إقليمية توصف بالصراعية وعدم الاستقرار الهيكلي.
وفي هذا السياق يمكن التركيز على ثلاثة نظريات رئيسة هي :
- نظرية تحالف الأطراف : التي تُعد حجر الزاوية في الفهم الاستراتيجي للسياسة الإسرائيلية. وهي نظرية صاغها دافيد بن غوريون وطورها إلياهو ساسون في الخمسينيات، كرد استراتيجي على حالة الحصار العربي. تقوم على فرضية مفادها أن بقاء إسرائيل في محيط معادٍ يتطلب اختراق الحصار عبر بناء شبكة تحالفات مع "أطراف" هذا النظام المعادي. يشمل مفهوم "الأطراف" هنا دولاً غير عربية مجاورة (كتركيا وإيران الشاه وإثيوبيا تاريخياً) وكذلك الجماعات الأقلياتية داخل الدول العربية نفسها. الهدف هو تطويق "المركز العربي" المعادي وإنشاء دوائر نفوذ بديلة.
- استراتيجية الأمن غير المباشر وهي الآلية التنفيذية لـ"تحالف الأطراف". وبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة المكلفة، تعتمد إسرائيل على "إضعاف الخصوم من الداخل" عبر استثمار وتأجيج الصراعات الهوياتية والطائفية. يصبح دعم الأقليات هنا أداة لاستنزاف موارد وجيوش الدول المركزية، وتحويلها إلى ساحات صراع داخلي تمنعها من تشكيل تهديد موحد .
- الواقعية البراغماتية :توفر هذه النظرية الإطار الحاكم لسلوك الدولة الإسرائيلية. فهي تنظر إلى الدولة كفاعل عقلاني يسعى لتعزيز بقائه وقوته النسبية في نظام فوضوي. في هذا السياق، يُستخدم الخطاب الأخلاقي أو الحقوقي ليس كقيمة مستقلة، بل "كأداة تبريرية" لتلميع الصورة وتسهيل الاختراق. التحالفات تُبنى وتُفكك بمرونة قاسية وفقاً لحسابات المصلحة الوطنية الضيقة واللحظة الجيوسياسية، دون التزام بأي عقد قيمي أو أخلاقي طويل الأمد.
مفاهيم محورية وتعريف ديناميكي
لا يُنظر إلى الأقلية ككيان ثابت أو سلبي. بل تُعرّف على أنها "جماعة إثنية أو دينية أو لغوية، تتمتع بوعي هوياتي مميز داخل دولة ذات أغلبية مختلفة، وتعاني من علاقة غير متكافئة مع السلطة المركزية قد تصل إلى حد التهميش السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي". والنقطة التحليلية الحاسمة هنا هي أن انخراط الأقلية في علاقات خارجية مع فاعل منافس للدولة الأم "غالباً ما يكون عرضاً ونتيجة لأزمة الشرعية والتمثيل داخل الدولة الوطنية، وليس سبباً رئيسياً لها".
الوظيفية الاستراتيجية: " يشير هذا المفهوم إلى تحويل العلاقة مع الأقلية من تعاون مبني على مبادئ أو مصالح مشتركة طويلة الأمد، إلى "تكتيك مؤقت وقابل للاستبدال "يخدم هدفاً استراتيجياً محدداً (أمنياً أو جيوسياسياً) للفاعل الخارجي.
تحليل استراتيجي مقارن ونماذج تطبيقية
يكشف التحليل الاستراتيجي لطبيعة العلاقة الإسرائيلية بالأقليات المختلفة في المحيط العربي والإفريقي تحول بعض الأقليات إلى حليف استخباري وورقة جيوسياسية بيد إسرائيل وفي هذا الإطار أصبح هناك العديد من النماذج التطبيقية التي تجسد مفهوم تطور علاقة إسرائيل بتلك الأطراف والأقليات ومنها :
أولاً: أكراد العراق النموذج الأكثر تطوراً
تمثل العلاقة الإسرائيلية مع الأكراد، وخصوصاً في العراق، النموذج الأكثر تطوراً ورسوخاً لـ"تحالف الأطراف". حيث بدأت الاتصالات السرية في خمسينيات القرن الماضي كجزء من "عملية سفينة نوح" الهادفة لبناء شبكة علاقات مع غير العرب، وتطورت إلى شراكة استراتيجية متعددة الأوجه مع إقليم كردستان العراق.
تجلت الأبعاد الأمنية الاستخباراتية لهذه العلاقة من خلال تقديم إسرائيل دعماً عسكرياً ولوجستياً متواصلاً لقوات البيشمركة، بدءاً من التدريب والتسليح في الستينيات والسبعينيات لاستنزاف الجيش العراقي، وصولاً إلى شراكة استخباراتية متقدمة في العقود اللاحقة لمراقبة التهديدات الإقليمية، لاسيما من إيران.
وفيما يتعلق بالأهداف الجيوسياسية والاقتصادية: تجاوز التعاون المجال الأمني إلى تعزيز الوجود السياسي والاقتصادي، عبر استثمارات في قطاع النفط الكردي وبناء قنوات اتصال دبلوماسية شبه رسمية تخدم هدفين: إضعاف الدولة المركزية في بغداد، وخلق واقع نفوذ إسرائيلي دائم في قلب المشرق العربي.
ثانياً : الدروز والأكراد في سوريا
تقدم حالة الدروز في محافظتي السويداء والقنيطرة السوريتين نموذجاً صارخاً للبراغماتية الإسرائيلية في التعامل مع المكونات المحلية. العلاقة، التي غالباً ما تُغلف بخطاب "الجار الطيب" والروابط التاريخية، هي في جوهرها علاقة أمنية وظيفية.
وإن كانت تكتيكية التعامل مع الإدارة الذاتية الكردية في الشمال الشرقي أكثر مرونة وظيفية، إلا أنها تهدف أساساً إلى إدامة حالة ضعف الدولة السورية ومنع إعادة توحيدها تحت سلطة مركزية قوية، مع استخدام الوجود الكردي كحاجز أمام النفوذ الإيراني.
وبصورة عامة يبقى الهدف الاستراتيجي المباشر: بناء "حزام أمني" عازل" على حدود هضبة الجولان المحتل، يمنع تمدد حزب الله نحو الخطوط الإسرائيلية. يتم تحقيق ذلك عبر تقديم دعم لوجستي محدود ومعلوماتي وتسهيلات إنسانية (طبية وغذائية) لشبكات ومجاميع محلية، ليس حباً بالطائفة بل لتحويلها إلى عنصر مساعد في إدارة الأمن المحلي لصالح المصالح الإسرائيلية.
وفي ظل حالة انهيار الدولة السورية، تسعى إسرائيل لتعميق الانفصال الوظيفي لهذه المناطق عن دمشق، مما يسهم في "تكريس تقسيم سوريا" بحكم الأمر الواقع، وهو هدف استراتيجي يتسق مع سياسة "الأمن غير المباشر". وتشير التقارير الاستخبارية العربية إلى تورط إسرائيلي في دعم جماعات معينة في الجنوب السوري بهذا الهدف.
ثالثاً : الموارنة في لبنان
شكلت العلاقة مع الموارنة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) فصلاً مفصلياً في السياسة الإسرائيلية، وكشفت عن حدود ومخاطر التحالفات الوظيفية المبنية على حسابات ضيقة.
وخلال المرحلة التأسيسية والتوسعية للعلاقة تحولت إسرائيل من داعم خفي للميليشيات المارونية إلى حليف عسكري مباشر، بل وشريك في مشروع سياسي طموح خلال اجتياح 1982، الذي هدف إلى إعادة هندسة النظام السياسي اللبناني كله وإخراج لبنان من الصراع العربي - الإسرائيلي.
غير أن التداعيات المترتبة عن السياسة المستخدمة في بناء تلك العلاقة جاءت مخيبة لآمال إسرائيل وتجسد ذلك من خلال فشل هذا المشروع فشلاً ذريعاً، وانهيار التحالف مع القوى المارونية بسبب تعقيدات الداخل اللبناني وعدم جاهزية الحليف المحلي لتحمل تبعات التحالف العلني.
الأمر الذي وضع إسرائيل أمام حتمية "تجنب التحالفات العلنية العميقة والمكلفة"، والانتقال إلى نمط أكثر مرونة وقابلية للإنكار، وهو ما يفسر تحول السياسة الحالية إلى دعم "ناعم" للخطاب السياسي المعارض لحزب الله داخل الطوائف المسيحية، بهدف منع إجماع وطني لبناني حول مشروع المقاومة .
رابعاً : أقليات القرن الأفريقي وجنوب السودان
يمثل القرن الأفريقي الامتداد الطبيعي المبكر لعقيدة الأطراف خارج النطاق العربي المباشر. العلاقات التاريخية الوثيقة مع إثيوبيا، والتدخل الحاسم في دعم انفصال جنوب السودان منذ الستينيات وحتى الاعتراف الفوري به عام 2011، تكشف عن أبعاد جيوسياسية أوسع للعلاقة الإسرائيلية بهذه الأطراف والتي سعت من ورائها إسرائيل إلى تحقيق أهداف استراتيجية متعددة منها :
1- السيطرة على الممرات البحرية: عبر التأثير في الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن (إثيوبيا سابقاً، إريتريا لاحقاً).
2- تغيير موازين القوة في حوض النيل: بإضعاف الدولة السودانية الموحدة (كحليف تاريخي لمصر والعرب) وخلق دولة جديدة في الجنوب أكثر ميلاً لإسرائيل .
3- بناء نقاط ارتكاز استخباراتية وعسكرية: في العمق الأفريقي.
وفي هذا السياق حرصت إسرائيل على أن يتم إدارة هذه العلاقات مع الأقليات الإثنية في المنطقة (كالعفر) بشكل براغماتي بحت، دون التزام بدعم مشاريع انفصالية علنية، بل بتوظيفها كأوراق ضغط وكواصلين محليين ضمن معادلات النفوذ الأوسع .
خامساً : في اليمن وأرض الصومال
خلاف لسياسة واستراتيجية بناء علاقتها مع الأقليات المشار إليها سابقا قدمت إسرائيل أولوية الجغرافيا على الهوية في الحالتين اليمنية والصومالية، حيث يظهر تحول استراتيجي واضح من "جيوسياسية الهوية" إلى "جيوسياسية الموقع والموانئ".
- في اليمن: ومع انهيار الدولة اليمنية بعد 2015 وتصاعد التهديد للملاحة، تحول الاهتمام الإسرائيلي إلى الساحل الجنوبي اليمني. والهدف هنا ليس دعم هوية جنوبية، بل "السيطرة على الموقع الجغرافي الاستراتيجي" للموانئ (مثل عدن) والجزر (مثل سقطرى) القريبة من مضيق باب المندب. ويتجلى ذلك الاهتمام من خلال الدراسات الصادرة عن مراكز الفكر الإسرائيلية التي تتحدث عن الفرص التي يخلقها المجلس الانتقالي، دون إثبات تحالف مباشر.
- وفي أرض الصومال (صوماللاند): عكس الاعتراف الإسرائيلي بالإقليم غير المعترف به دولياً عام 2025 ذروة هذا التوجه. فهو تحالف مع "كيان وظيفي" تدفعه الحاجة للاعتراف الدولي، مقابل حصول إسرائيل على موطئ قدم استخباري وأمني يطل على مدخل البحر الأحمر، في إطار استراتيجية بناء "حزام أمني بحري" يمتد من خليج العقبة إلى المحيط الهندي .
سادساً : نماذج ثانوية وبراغماتية
في هذا المجال تتسم العلاقات الإسرائيلية مع أقليات ومجموعات أخرى بدرجة عالية من الانتقائية والوظيفية وتجسدت أبرز نماذج هذه العلاقة في :
- دارفور : من خلال اتصالات استخباراتية وتحالفات ظرفية مع حركات مسلحة، بهدف إشاعة الفوضى وإضعاف الحكومة المركزية في الخرطوم، كجزء من الاستراتيجية التاريخية الإسرائيلية لتفكيك السودان.
- الأمازيغ في شمال أفريقيا: من خلال دعم ثقافي وأكاديمي غير مباشر عبر مؤسسات بحثية، بهدف تعزيز الوعي الهوياتي الأمازيغي كأداة لبناء قنوات اتصال غير رسمية مع مجتمعات "غير عربية" داخل العالم العربي، وتقويض سردية الهوية العربية الجامعة .
تحليل تركيبي ونتائج وأنماط ثابتة
من خلال التحليل المقارن للنماذج السابقة، يمكن رصد عدة أنماط استراتيجية مستخلصة ثابتة لمراحل تطور علاقة إسرائيل بالأقليات ومن تلك الأنماط :
- التدرج الوظيفي: تتراوح العلاقة من شراكة استراتيجية متعددة الأوجه (كردستان العراق)، إلى تحالف أمني وظيفي (الدروز في سوريا)، وصولاً إلى تحالف جغرافي مصلحي بحت (صوماللاند والمجلس الانتقالي).
- البراغماتية المرنة والقابلة للإنكار: تفضل إسرائيل دائماً العلاقات غير الرسمية أو شبه الرسمية التي تسمح لها بالتراجع أو تغيير التحالفات دون تكاليف سياسية كبيرة، لبنان أنموذجا لذلك.
- التوظيف حسب المرحلة الاستراتيجية: تم استخدام الأكراد تاريخياً كأداة لاستنزاف الجيوش العربية (العراق وسوريا)، بينما تُستخدم الكيانات الساحلية الجديدة كأدوات للهيمنة على الاقتصاد العالمي عبر السيطرة على الممرات البحرية.
- الربط بين الداخل والخارج: تستثمر إسرائيل في تصور "العدو المشترك" (العربي السني، الفارسي الشيعي، الحكومة المركزية القمعية) لبناء شرعيّة لتحالفها مع الأقلية.
تداعيات إقليمية بنيوية
- تفكيك الدولة الوطنية العربية: تُعد هذه السياسة أحد العوامل الخارجية الفاعلة في تعميق أزمات الدولة في العراق وسوريا واليمن والسودان ولبنان. فهي لا تستغل الانقسامات فحسب، بل "تساهم في تحويلها من صراعات داخلية قابلة للحل إلى صراعات هوياتية متجذرة ومستدامة" مما يعطل أي مسار حقيقي لإعادة الإعمار والاستقرار.
- إعادة تشكيل هندسة الأمن الإقليمي: تهدد السيطرة المتزايدة على الممرات البحرية (البحر الأحمر وخليج عدن) الأمن القومي العربي المباشر، وخصوصاً لمصر والمملكة العربية السعودية. كما أن النفوذ في القرن الأفريقي يخلق توازن قوى جديداً على حدود العالم العربي الجنوبية.
- تغيير طبيعة التهديد: تحوّل إسرائيل التهديد من مواجهة عسكرية تقليدية إلى حرب غير متماثلة تستهدف "النسيج الاجتماعي والتماسك الوطني للدول العربية، وهو تهديد أعمق وأصعب في المواجهة."
تداعيات مجتمعية وهوياتية
- تعميق الشرخ الهوياتي: تخلق السياسة الإسرائيلية حالة من (الولاء المزدوج) أو الانقسام داخل المجتمعات المحلية نفسها، كما هو حادث بين دروز سوريا أو داخل المجتمع الكردي بين من يؤيد التعامل مع إسرائيل ويعارضه.
- خلق تبعية وظيفية: تصبح بعض الجماعات معتمدة على الدعم الإسرائيلي (المادي، الاستخباري، الإعلامي) لضمان بقائها أو تفوقها المحلي، مما يفقدها استقلالية القرار ويعمق تبعيتها.
- إنتاج وصمات اجتماعية: يؤدي التعاون مع إسرائيل إلى "تجييش" الخطاب الرسمي والقومي ضد هذه الأقليات، كما حدث تاريخياً مع الأكراد، مما يعزز عزلتهم ويجعل حل قضاياهم العادلة في إطار الدولة الواحدة أكثر صعوبة.
خاتمة وتوصيات استراتيجية
تخلص هذه الدراسة إلى أن سياسة إسرائيل تجاه الأقليات ليست سلسلة من المبادرات المنفصلة أو الردود الظرفية، بل هي (مشروع استراتيجي متكامل ومرن) له جذور أيديولوجية وتاريخية عميقة. يعمل هذا المشروع على مستويين متوازيين هما المستوى الجيوسياسي الكلي لإعادة رسم خريطة النفوذ في المنطقة، والمستوى المجتمعي الجزئي لتفكيك البنى الداخلية للدولة العربية.
وإذا كان نجاح هذا المشروع مرهون باستمرار هشاشة الدولة العربية وعجزها عن تقديم نموذج دامج عادل لجميع مواطنيها. لذلك، فإن مواجهة هذا التحدي تتطلب رؤية استباقية واستراتيجية مركبة على مستويين هما:
- المستوى الوطني: من خلال دراسة أسباب التهميش والإقصاء داخل المجتمعات العربية للأقليات وإيجاد حلول جذرية لها بما يضمن اشراكها العادل في مؤسسات الدولة وإصلاح نظام الحكم والإدارة بما يضمن العدالة الاجتماعية لكل أبناء الشعب.
- المستوى الإقليمي : من خلال تفعيل آليات التنسيق الأمني بين أجهزة المخابرات العربية، وإقامة تدريبات مشتركة للتعامل مع تهديدات الاختراق المجتمعي وتواصل الحكومات العربية المباشر مع قيادات الأقليات قبل تدخل الأطراف الخارجية وحل كافة المشاكل التي تواجه الأقليات وكذا بناء تحالفات عربية لمواجهة التهديدات والمشروع الإسرائيلي في الوطن العربي إضافة إلى دعم مراكز الدراسات لتطوير أبحاث استشرافية ورصد دائم للتحولات الديموغرافية والهوياتية في المنطقة، لإصدار تقارير دورية تحليلية عن التطورات والمخاطر التي تواجه الوطن العربي وطرق مواجهتها.
* باحث في علم الاجتماع السياسي