مجلة "فورين أفيرز" : العدوان الأمريكي على إيران يُعيد سيناريو الكوارث في الشرق الأوسط ويهدد استقرار العالم

نشرت مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية تقريرًا مطولًا يكشف فيه الخبراء الغربيون عن المخاطر المتصاعدة التي تُواجه المنطقة والعالم، عقب العدوان العسكري الأمريكي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي لن تُسفر، بحسب ما ورد، عن انهيار النظام الإيراني، بل قد تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار الإقليمي، وخلق موجة جديدة من الأعمال الانتقامية ضد المصالح الأمريكية وحلفائها.

مجلة "فورين أفيرز" : العدوان الأمريكي على إيران يُعيد سيناريو الكوارث في الشرق الأوسط ويهدد استقرار العالم

التقرير يُشير إلى أن إيران قد تلجأ لخيارات متعددة في إطار الرد، أبرزها تنفيذ هجمات ضد منشآت أمريكية في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك عمليات اغتيال تستهدف شخصيات رفيعة، في تكرار للمحاولات الإيرانية التي سُجلت منذ اغتيال الشهيد قاسم سليماني، أو على غرار ما فعله النظام العراقي السابق حين حاول اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب عقب حرب الخليج الأولى.
التحذيرات الأمريكية لا تقف عند هذا الحد، بل يُنبه التقرير إلى سيناريو أكثر سوداوية، يتمثل في انزلاق المنطقة إلى حالة صراع دائم بين إيران والكيان الصهيوني، وهو ما يعني، حسب وصفهم، الدخول في دوامة مشابهة لما يحدث في غزة، أو في ميادين الحرب بأوكرانيا، أو ما عايشته شعوب المنطقة خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينات القرن الماضي، حيث تبدأ الحرب بسهولة ولكن إنهاءها يصبح شبه مستحيل.
ويُحذر الخبراء من أن إيران، وعلى مدى أشهر أو حتى سنوات، قد تتبع تكتيك إطلاق دفعات منتظمة من الصواريخ على الأراضي الفلسطينية المحتلة، في مقابل استمرار العدوان الإسرائيلي عبر الضربات الجوية، بينما تكتفي واشنطن في هذا السيناريو بتقديم الدعم الدفاعي للكيان الصهيوني، دون التورط المباشر، في ظل إدراك صانعي القرار الأمريكي حجم الكارثة الإنسانية التي ستطال المدنيين وسط هذا الصراع.
وقالت المجلة رغم الاستهزاء الأمريكي بقدرات إيران، إلا أن التقرير يعترف أن تهديدات طهران، حتى وإن كانت محدودة أمام قوة عظمى كالولايات المتحدة، إلا أنها ستُكلّف واشنطن أثمانًا باهظة على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهو ما سيتطلب، بحسب توصيفهم، تركيزًا كبيرًا من كبار القادة الأمريكيين، فضلًا عن ضخ موارد ضخمة لتعزيز التواجد العسكري في الشرق الأوسط، ما سيُضعف قدرة واشنطن على التركيز على ملفات دولية أخرى أكثر أولوية.
كما أشار التقرير إلى التداعيات بعيدة المدى، مُستشهدًا بما حدث عقب حرب الخليج، حين تحول التواجد الأمريكي في المنطقة إلى ذريعة أساسية لتنظيم القاعدة، الأمر الذي ساهم، من وجهة نظرهم، في تحفيز الأحداث التي أدت إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهو ما يجعل التورط العسكري الأمريكي الحالي يحمل مخاطر مشابهة.
ولا يغفل التقرير الحديث عن البُعد السياسي الداخلي داخل الولايات المتحدة، حيث يُحذر من أن انجرار واشنطن إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط سيُفاقم من تآكل الدعم الشعبي الأمريكي للعلاقات مع الكيان الصهيوني، خاصة في ظل ما كشفته المجازر الصهيونية في غزة من تراجع كبير في تأييد التحالف الأمريكي الإسرائيلي، تحديدًا في أوساط التيار التقدمي الأمريكي.
ويعزز هذا التوجه تصاعد الجدل الحاد داخل الأوساط اليمينية في أمريكا حول السياسة الخارجية، وهو ما ظهر جليًا في المواجهة الإعلامية بين المذيع المعروف تاكر كارلسون والسيناتور تيد كروز بشأن دعم الكيان الصهيوني، والقرارات التي دفعت نحو الحرب مع إيران.
أما على مستوى التوقعات، فيُقّر التقرير بأن العملية العسكرية قد تُحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة، وربما تُجبر إيران على قبول شروط قاسية تُناسب الكيان الصهيوني وتنهي التصعيد بسرعة، إلا أن مجمل التاريخ العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، إلى جانب دروس الحروب العالمية، يكشف أن التدخلات من هذا النوع غالبًا ما تُسفر عن مخاطر استراتيجية كبيرة، وتُعيد إنتاج الأزمات بدلًا من إنهائها.
واختتم التقرير بالتأكيد على أن الحل الدائم والأكثر أمنًا لأمريكا والعالم كان ولا يزال يتمثل في العودة إلى المسار الدبلوماسي والتوصل إلى اتفاق صارم يُقيّد البرنامج النووي الإيراني بشكل لا يُمكن التحايل عليه، غير أن التصعيد العسكري الأخير، بحسب توصيف المجلة، جعل هذا الخيار أبعد منالًا وأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.


طباعة