أمريكا ترامب الأوليغارش .. سياسات مزدوجة ومؤامرات قذرة
عصر جديد من الهيمنة والاستكبار الأمريكي ومحاولة السيطرة على الكوكب واستنزاف خيرات وثروات الشعوب على مستوى العالم ..
زعيم العصر الجديد هذه المرة الحاكم الأرعن ترامب بعد وصوله للبيت الأبيض محاولا إعادة هيكلة الهوية التقليدية لولايات الاستكبار الأمريكية ومؤسساتها وعقديتها الاجتماعية والسياسية والأمنية والقانونية وفقا لسياساته الترامبية المزدوجة ومشاريعه ومؤامراته القذرة الهادفة إلى إعادة صياغة عالم جديد أمام حقائق دولية شبت على طوق التطويع ودخلت في مرحلة اللاعودة إلى ما حقبة التفرد الأمريكي ، وذهبت دون خط رجعة إلى التحولات الدولية التي بات التراجع عنها مسار انتكاسات تنتهي بسقوط المعاقل الرئيسية للقوى الدولية المنافسة وتفككها وبالذات الخصم الصيني والقوى الصاعدة التي باتت تمتلك امتياز التفوق والغلبة الاقتصادية.. تفاصيل في السياق التالي :
طلال الشرعبي
في خطاب تنصيبه الذي أجبرته موجة الصقيع الشتوي على إلقائه في صالة مغلقة أمام رموز الأوليغارشية من رجال المال والسياسة فقط وفي ظل غياب الحشود الكبيرة المحتفية بعودته التاريخية من أقفاص المحاكم إلى عرش البيت الأبيض .. دشن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عهد حكمه البلوتوقراطي الثاني للولايات المتحدة بإطلاق الوعود الكثيرة والمثيرة وشملت وعود الرجل على مستوى الداخل الأمريكي طيفاً واسعاً من القرارات والإجراءات بدءاً من إعلان طوارئ في الحدود الجنوبية إلى مواجهة التضخم، و إصلاح المنظومة التجارية، وإلغاء القيود التنظيمية، والتخفيضات الضرائبية وطوارئ الطاقة، إلى الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ ومن بعض المنظمات.. الخ. لكن الأكثر ضراوة هي "استعادة قناة بنما" وتغيير اسم "خليج المكسيك" والابتزاز الاقتصادي لكندا وعلى مستوى الكوكب تضمن خطاب الرجل طيفا من الوعود الطوباوية كوقف الحروب وجلب روح جديدة من الوحدة والسلام والرحمة إلى العالم الذي وصفه بالغاضب والعنيف وغير القابل للتنبؤ .. على النقيض تمام من وعود خطاب التنصيب كانت فترة قصيرة لما تتعدى الأسبوعين في عصر الحاكم الأمريكي الجديد كفيلة بالكشف عن حقيقة سياسته المزدوجة ومضمون خطاباته المنفلتة ومؤامراته القذرة التي تبرز أهمية الحديث هنا عن أبرزها لا سيما ما يتعلق بالتآمر على المنطقة العربية والشعوب الإسلامية وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني .
مؤامرات قذرة
منذ اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض، لم يترك ترامب وسيلة لإرضاء الصهاينة، وكأنه يستدرك ما فاته في ولايته السابقة، حيث نقل السفارة الأمريكية للقدس واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان، وأرغى وأزبد وهدّد بالويل والثبور ما لم يتم الإفراج عن المحتجزين الإسرائيليين.
وفي مشهد تناقض صارخ مع تصريحاته التي تضمنها خطاب التنصيب ومنها قوله سنعمل على وقف الحروب وجلب روح جديدة من الوحدة والسلام والرحمة للعالم كشف المعتوه ترامب مؤخرا عن حقيقة وجهه الخفي وحقده ونقمته على الشعب الفلسطيني قائلا : "أود أن تستقبل مصر والأردن أشخاصا، ويأخذوا الناس -سكان غزة- مؤقتا أو لأجل طويل" .
وعزز تلك الحقيقة بموافقته قبل يومين فقط على تقديم حزمة مساعدات أمنية لإسرائيل تشمل 4700 قنبلة بوزن 900 كجم بقيمة 700 مليون دولار وجرافات هندسية مدرعة بقيمة 300 مليون دولار خلال زيارة زعيم الإرهاب الصهيوني المجرم نتينياهو لواشنطن التي لم تنته بعد.
سياسات مزدوجة
لا فرق بين أن نسميه وعد ترامب لإسرائيل، أو مؤامرة ترامب على الشعب الفلسطيني، النتيجة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يدّعي أنه رجل سلام وسيعمل على إنهاء الأزمات في العالم، يتوجه لصناعة أزمة جديدة، بل وإغراق المنطقة بأزمات قد لا تخرج منها لسنوات.
وبدلا أن يدعو إلى لملمة جراح الناس في غزة والمساعدة في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، حتى يتسنى للبشر الباقين ممارسة حياتهم كآدميين خلقهم الله يجترح ترامب مشروعا لإعادة تشريدهم بعيدا عن أرضهم، حتى يرضي الإسرائيلي ويهنأ باله، وكأن التشرّد الذي عاشه أهل غزة على مدار الخمسة عشر شهرا لم يكن سوى بروفة للتشرّد الموعود.
لم يخطر ببال الحاكم البلوتوقراطي ترامب أخذ جزء من الإسرائيليين إلى الديار الأمريكية، لحل مشكلة الازدحام في فلسطين، بل يطلب من مصر والأردن حل هذه الإشكالية وعلى حساب الفلسطينيين.
أصبح واضح للجميع أن المرتكزات الرئيسية لمشروع ترامب هي البحث عن أمجاد على حساب من يعتبرهم ضعفاء في هذا الكون، فهو يستأسد على المهاجرين واللاجئين من دول أمريكا اللاتينية، وعلى جارتيه المكسيك وكندا وهي دول ضعيفة التسليح، وفي السياق، يجد في طريقه أهل غزة، ليخلّده التاريخ بطلا ويقيم له المستوطنون المزيد من المستوطنات المسماة "ترامب"، وربما أسماء شوارع ومشاف في حيفا وتل أبيب.
ويا للعجب ويا للمفارقات العجيبة نفسه ترامب، يصبح حكيما ومتوازنا وعاقلا، حينما يتوقع حصول خسائر في أرواح جنوده في مواجهات مع أطراف تملك قوة ردع، مثل كوريا الشمالية وروسيا وإيران، هنا يفعّل خطوط التواصل الدبلوماسي وتشتغل دائرته الاستشارية في البحث عن طرق وأساليب وسياسات للتوصل إلى مقاربات جديدة تقنع قادة هذه الدول في التوصل إلى حلول غير صدامية، حتى لو كانت على حساب شعوب أخرى يعتقد أنها ضعيفة أيضا. والمثال الروسي بليغ هنا، حيث يريد ترامب إيجاد حل للحرب الأوكرانية تراعي موازين القوى القائمة.
مفارقات عجيبة
وليس فقط لأنه صهيوني بل ولأن واقع المنطقة العربية يشجعه على ذلك وكثير من الأنظمة العربية العميلة للأسف الشديد حبيسة سياسة الخذلان والذل والهوان يؤيد الحاكم الجديد لولايات الاستكبار ترامب المجرم الصهيوني نتنياهو ويدفعه لاستكمال حرب إبادته للشعب الفلسطيني وفي الوقت ذاته يطالب الدول العربية بالاستثمار بأقصى طاقاتها في بلاده، حتى لو كان على حساب مشاريعها الوطنية، ثم يقف ويتبجح ملمحا بأنه أجبر الدول العربية، التي يبدو أنه يستكثر أن يكون لديها أموال، على الاستثمار في أمريكا بالقوّة.
الخلاصة
وتبقى الخلاصة أن المنطقة العربية على أعتاب مؤامرة كبيرة يحيكها ترامب ضد الفلسطينيين، لا تختلف عن تلك التي صاغتها بريطانيا قبل قرن ونيّف عبر وعد بلفور، حينها كان العرب إما محكومين من قبل الاستعمار، أو أن دولهم كانت ناشئة وفقيرة، أما اليوم فلا عذر لهم، ما دام ترامب نفسه يتودّد لهم لينقذوا الاقتصاد الأعظم في العالم.
كما أن البعض لن يفهم أهمية هذه المعركة إلا بعد أن تتكشف المخططات الأمريكية الإسرائيلية لهذه المنطقة وكيف أن المقاومة بما تقدمه من تضحيات ومعها الشعوب من فلسطين الى لبنان واليمن والعراق تسهم اليوم في إفشال تلك المخططات التي تستهدف كل الدول بما فيها المطبعة وتلك التي على طريق التطبيع.
ولذلك فإن كل من يمتلك القدرة على التحرك لإيقاف الإبادة في غزة سواء أنظمة أو دول أو جماعات أو أفراد ولا يتحرك فهو مشارك بالجريمة بصمته وتخاذله وتقاعسه وتواطئه
وعلى الجميع إدارة حقيقة أن القوة لا تردعها سوى قوة مماثلة لها؛ وهذه هي المعادلة التي ينبغي أن تستوعب من قبل النخب السياسية العربية العاملة في ميدان المقاومة؛ ووفقا لهذه القاعدة لابد من تأهيل المجتمعات تأهيلا شاملا لكل المهارات والقدرات القتالية الحديثة
وما ينبغي في مثل هذا الظرف العصيب، هو التأكيد على أهمية الأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات التي تنطوي على أبعاد خطرة وصعبة؛ كي تكون الإستعدادات لدى قوى المقاومة أقوى وأقدر على مواجهتها؛ ويتعين على الجميع التعاطي مع الموقف بمسؤولية كبيرة وعلى نحو فعال.
وبالتالي فإن أي تحليل وكل قراءة لا تأخذ في الاعتبار حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال وحق من أراد من إخوانهم العرب مساندتهم كواجب ديني وأخلاقي وإنساني فهو تحليل يخدم الأجندة الأمريكية ويعمل على تحقيق الأهداف الإسرائيلية ولو قرر كل العرب ترك إسرائيل وشأنها فإن إسرائيل أبداً لن تتركهم وشأنهم.
ويكفي للتأكد من صحة تلك الحقائق مجرد التأمل بشكل عميق في تصريح بن غفير يوم أمس الأول : آمل أن يعود نتنياهو من واشنطن مع قرار لتدمير حماس وليس قرار إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية.