مطار صنعاء .. قراءة في انهيار منظومة الخدمات الإنسانية وتحولات كسر الحصار واستعادة السيادة اليمنية
في الثالث من يوليو 2026، لم تهبط طائرة إيرانية في مدرج مطار صنعاء الدولي فحسب، بل هبط معها سؤال مصيري عن مستقبل السيادة الوطنية في منطقة تعيد فيها القوى الإقليمية رسم خرائط نفوذها.
فبينما تؤكد مواثيق القانون الدولي أن لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على مجالها الجوي، تثبت التجارب الميدانية أن هذه السيادة تظل حبراً على ورق حين تصطدم بمصالح الأقوى. هذا المقال محاولة لتفكيك الأبعاد المتشابكة للحدث، قانونياً وإنسانياً وجيوسياسياً، بعيداً عن السجالات السياسية الضيقة، للوصول إلى قراءة موضوعية لدلالاته الراهنة والمستقبلية.
د/ نجوى حسين الخزان *
أولاً: الإطار القانوني.. حين تصطدم النصوص بالواقع
تنص المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي (1944) على أن "لكل دولة سيادة كاملة وحصرية على المجال الجوي الواقع فوق إقليمها"، كما تحظر المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة العقاب الجماعي للمدنيين. إغلاق مطار صنعاء لأكثر من أحد عشر عاماً يمثل انتهاكاً مزدوجاً لهاتين الاتفاقيتين، فضلاً عن كونه خرقاً صريحاً لمبدأ حرية التنقل المكفول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ..غير أن الإشكالية الأعمق تكمن في فجوة التنفيذ، حيث تكتفي المؤسسات الدولية بإصدار بيانات الاستنكار دون آليات رادعة، مما يحول القانون الدولي إلى أداة انتقائية تخدم مصالح الأقوياء وتتجاهل معاناة الضعفاء. وقد أكد تقرير فريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة لعام 2019 أن الحصار وتكتيكات الحصار في اليمن تحرم السكان من الضروريات وسط أزمة إنسانية غير مسبوقة، وأن بعض هذه الانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب . وما شهده مطار صنعاء في الثالث من يوليو هو كسر لحاجز معادلة الانتقائية، حيث اختارت صنعاء كسر الحصار بقوة الأمر الواقع، واضعة المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني جديد.
ثانياً: البعد الجيوسياسي.. إعادة تعريف التحالفات والنفوذ
لا يمكن قراءة حادثة هبوط الطائرة الإيرانية بمعزل عن سياقها الإقليمي. فاختيار التوقيت المتزامن مع مراسم عزاء المرشد الإيراني الراحل لم يكن صدفة، بل حمل رسالة ضمنية بأن طهران لا تزال قادرة على حماية حلفائها رغم كل الضغوط الداخلية والخارجية.
في المقابل، وجدت السعودية نفسها في موقف محرج، حيث أن التهديد بـ"رد غير مسبوق" يعكس حالة من التيه الاستراتيجي؛ فالرد العسكري يعني فتح جبهة جديدة في وقت تبحث الرياض عن مخارج لأزماتها الإقليمية، والرد الدبلوماسي يعني الاعتراف الضمني بفشل سياسة الحصار التي استمرت لأكثر من عقد. كلا الخيارين يحمل تكاليف باهظة.
أما أنصار الله فقد أظهروا عبقرية سياسية غير متوقعة باستثمارهم للجانب الإنساني في هذه المعركة، إذ حوّلوا الصراع من مواجهة عسكرية إلى معركة شرعية أخلاقية، جعلت من الصعب على أي طرف دولي الدفاع عن استمرار معاناة المرضى والعالقين.
ثالثاً: الأبعاد الإنسانية.. من أداة ضغط إلى جريمة حرب
تتحدث الأرقام عن كارثة إنسانية صامتة، حيث تسبب إغلاق المطار في وفاة أكثر من مليون وخمسمئة ألف مريض خلال أحد عشر عاماً، بينهم أطفال ومرضى سرطان وفشل كلوي، وذلك بسبب نقص الأدوية المتخصصة ومنعهم من السفر للعلاج في الخارج. ويُقدّر أن مئة وخمسة وعشرين ألف مريض لقوا حتفهم تحديداً لأنهم لم يتمكنوا من السفر للعلاج، في حين يحتاج أكثر من مئتين وخمسين ألف مريض حالياً إلى سفر عاجل لإنقاذ حياتهم .
ولم تقتصر الخسائر على الجانب الصحي، بل تجاوزت خمسمائة مليون دولار كخسائر مادية مباشرة في قطاع الطيران المدني خلال عام 2025 وحده، نتيجة تدمير المدرجات والطائرات والمرافق التشغيلية، مما أدى إلى شلل شبه كامل في حركة النقل الجوي المدني والإنساني في شمال اليمن .
هنا يبرز التساؤل الأخلاقي المحوري: كيف يمكن تبرير حصار يقتل يومياً أكثر من خمسة عشر مريضاً ، في صمت دولي مريب؟ الواقع أن تحويل المطار إلى أداة ضغط سياسي هو في جوهره عقاب جماعي، ترقى أفعاله إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، وفقاً لما ورد في تقارير منظمات حقوقية دولية .
رابعاً: المجتمع الدولي.. غياب متعمد أم عجز مركب؟
يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: لماذا لم يصدر مجلس الأمن قراراً بإلزام فتح مطار صنعاء رغم وضوح الأبعاد الإنسانية والقانونية، وتصنيف اليمن كواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث يحتاج أكثر من 19.5 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية ؟
الجواب يكمن في ثلاثة عوامل مترابطة:
أولاً، انشغال القوى الكبرى بأزمات أخرى، أبرزها الحرب في أوكرانيا والصراعات في الشرق الأوسط، مما جعل القضية اليمنية في ذيل قائمة الأولويات الدولية.
ثانياً، الاستخدام المزدوج للمطار، حيث وقد يُستخدم لأغراض مدنية وعسكرية محتملة، جعله ورقة ضغط في يد جميع الأطراف، مما صعّب على المجتمع الدولي اتخاذ موقف حازم.
ثالثاً، الإفلات من العقاب الذي يتمتع به جميع أطراف النزاع، حيث لا توجد آلية مستقلة مخصصة لرصد الانتهاكات في اليمن منذ إنهاء ولاية فريق الخبراء البارزين في أكتوبر 2021 .
الخلاصة المحزنة أن المجتمع الدولي ليس عاجزاً عن التدخل، بل هو مختار ألا يتحرك، لأن الأولويات الإقليمية تعلو على الحقوق الإنسانية. وما حدث في مطار صنعاء ليس سوى نتيجة حتمية لهذا الفراغ.
خامساً: قراءة في السيناريوهات المستقبلية
في ضوء المعطيات المتاحة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لتطور الأزمة.
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في تهدئة مُدارة تفضي إلى فتح جزئي للمطار مع استمرار القيود الأمنية، مما يخفف المعاناة الإنسانية دون حل جذري للأزمة، وربما يفتح باباً لمفاوضات غير مباشرة بين الأطراف.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تصعيد عسكري محدود، قد يشمل ضربات جوية متبادلة تطال مطارات أو منشآت نفطية، مع بقاء الوضع العام مفتوحاً على احتمالات أوسع. وقد شهدنا سابقاً استهداف مطار صنعاء في مايو 2025، مما أدى إلى تدمير آخر طائرة مدنية تابعة للخطوط اليمنية .
والسيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالاً حالياً، يتمثل في انفراج شامل يفضي إلى فتح كامل للمطار، لكنه يتطلب اتفاقاً سياسياً واسعاً بين جميع الأطراف، وهو أمر غير مرجح في ظل تصلب المواقف الحالي.
خاتمة:
كسر حصار مطار صنعاء ليس نهاية الأزمة، بل هو بداية نهاية عصر الحصار في المنطقة، حيث أثبتت التجارب أن الإغلاق الكامل لم يعد أداة فعالة في الصراعات الحديثة. لكن الأهم من ذلك، أن الحادثة كشفت عن أزمة أعمق: أزمة السيادة في عالم غير عادل، حيث تظل حقوق الدول الضعيفة مرهونة بمزاج الأقوياء .
السؤال الذي يبقى معلقاً: هل ستُستخدم هذه الخطوة كجسر نحو سلام شامل ينهي معاناة اليمنيين، أم ستبقى مجرد حلقة في سلسلة لا نهاية لها من الصراعات التي يدفع ثمنها الإنسان اليمني وحده؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن التاريخ سيسجل أن السماء فُتحت ذات يوم، ولو للحظات، لأجل المرضى والعالقين، وأن كسر الحصار كان انتصاراً للإنسانية قبل أن يكون انتصاراً لأي طرف سياسي.