اليمن -متابعات
بدأت الوقائع والأحداث والتطورات الجديدة في حرب المواجهة العسكرية (الإيرانية - الأمريكية الإسرائيلية) تتشابك حينما قرر العدو الصهيوني استهداف القلب الصناعي الإيراني، حيث قصف طيرانه مصنعي "مباركة" و"خوزستان" للفولاذ، اللذين يمثلان شريان الحياة المالي للحرس الثوري.
ولم تكتفِ تل أبيب بذلك، بل وجهت ضربات لمفاعل "أراك" للماء الثقيل ومنشأة "أردكان" لإنتاج الكعكة الصفراء في يزد، في محاولة لشل القدرة الإيرانية على إنتاج البلوتونيوم العسكري.
هجوم إسرائيلي أمريكي على منشآت المياه الثقيلة
وبحسب ما أورده الصحفي التركي Canbekli، فإن إسرائيل نفذت ضربة استهدفت منشآت معالجة المياه الثقيلة داخل إيران، وهي مرافق تُعد من الركائز التقنية المهمة في أي برنامج نووي، نظراً لدورها في إنتاج المواد المستخدمة في تشغيل المفاعلات.
هذا الهجوم الإسرائيلي والأمريكي المزدوج على "الفولاذ والذرة" فجر غضباً عارماً في طهران، حيث توعد وزير الخارجية عباس عراقجي بأن "الثمن سيكون باهظاً"، وهو ما لم يتأخر طويلاً؛ إذ جاء الرد الإيراني ليتجاوز الحدود الجغرافية لإسرائيل ويضرب مفاصل الاقتصاد العالمي في الخليج العربي.
رد إيراني سريع يستهدف منشآت إسرائيلية حيوية
بالمقابل لم يتأخر الرد الإيراني بل جاء سريعاً، ففي التاسع والعشرين من مارس لعام 2026، اهتزت رمال صحراء النقب على وقع انفجارات غير مسبوقة استهدفت مجمع "نئوت هوفاف" الكيماوي، وهو الموقع الذي ظل لعقود بمثابة الصندوق الأسود للصناعات الحيوية الإسرائيلية المرتبطة سراً وعلناً بالبرنامج النووي.
وتشير المعطيات إلى أن تنفيذ طهران ضربة دقيقة استهدفت منشأة "روتم" الكيميائية الواقعة في صحراء النقب ، رغم تصنيفها الصناعي المدني، تحمل أهمية استراتيجية خاصة، إذ ترتبط هذه المنشأة بعمليات معالجة الفوسفات التي تُنتج كميات صغيرة من اليورانيوم كمنتج ثانوي، ما يمنح إسرائيل مساراً غير تقليدي للحصول على هذه المادة دون الاعتماد على الاستيراد أو الخضوع للرقابة الدولية.
الرد الإيراني يستهدف منشآت المثلث الإسرائيلي في النقب
وتكتسب هذه الضربة الإيرانية أبعاداً إضافية بسبب موقع المنشأة داخل ما يُعرف بـ"المثلث الأمني" الإسرائيلي في النقب، والذي يضم مفاعل ديمونا، وقاعدة نيفاتيم الجوية التي تستضيف مقاتلات F-35 Lightning II، إضافة إلى مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية. ويُنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها واحدة من أكثر المواقع تحصيناً في إسرائيل.
وكانت هذه الضربة، التي نفذها الحرس الثوري الإيراني بدقة باليستية متناهية، بمثابة رسالة مشفرة وصلت أصداؤها إلى مفاعل ديمونا القريب، مؤكدة أن "توازن الردع والرعب" لم يعد يقتصر على الصواريخ، بل امتد ليشمل السحب السامة والنفايات الكيماوية التي باتت تهدد المدن الكبرى مثل بئر السبع التي يقطنها مئات الآلاف.
الرد الإيراني يطال قطاع الألمنيوم في الخليج
وبعد ساعات من قصف النقب، كانت ألسنة اللهب تتصاعد من مجمع "ألبا" في البحرين، أكبر مصهر للألمنيوم في موقع واحد في العالم، ومن منشأة "الطويلة" التابعة لشركة الإمارات العالمية للألمنيوم في أبوظبي.
ولم يكن استهداف إيران لقطاع الألمنيوم مجرد استهداف عشوائياً، فالإحصائيات تشير إلى أن الولايات المتحدة تعتمد على هذين المصدرين لتغطية 21% من وارداتها من الألمنيوم الأولي، وهو معدن لا يمكن لصناعات الطيران والدفاع الأمريكية الاستغناء عنه.
إلى ذلك لم يتردد الحرس الثوري، في بيانه الذي بثه التلفزيون الإيراني، في وصف هذه المنشآت بأنها "صناعات مرتبطة بالمجهود العسكري والفضائي الأمريكي"، مما حول الحرب من صراع إقليمي إلى أزمة إمدادات عالمية وضعت واشنطن في مأزق استراتيجي حقيقي.
ويرى المحللون الاقتصاديون ويحذرون من أن إيران، التي يعاني اقتصادها بالفعل من انكماش بنسبة 10%، قررت اتباع سياسة "الأرض المحروقة" صناعياً، حيث لم تعد تهتم بالعقوبات بقدر اهتمامها بتحطيم القدرات التنافسية لأعدائها.
المواجهة العسكرية تنتقل إلى مرحلة "تكسير العظام"
وفي حين تؤكد معطيات واقع الميدان أن المواجهة العسكرية بين إيران من جهة والعدو الإسرائيلي والأمريكي من جهة أخرى قد انتقلت إلى مرحلة "تكسير العظام" في البنية التحتية الاقتصادية والكيماوية التي تمثل عصب الوجود للدول المعنية.
يمكن القول أن المؤشر الأبرز في هذا التصعيد يتمثل، وفق التحليل، في قدرة الصواريخ الإيرانية على اختراق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، بما فيها القبة الحديدية وأنظمة "آرو"، والوصول إلى أهدافها داخل عمق المناطق شديدة التحصين، وهو ما يعيد رسم معادلة الردع بين الطرفين.
تطورات خطيرة تضع العالم على حافة الهاوية
وبالنظر إلى التهديد الإيراني بإجراء تجربة نووية مفاجئة أو استخدام السلاح النووي إذا ما استشعرت طهران خطراً وجودياً وهو التهديد الذي أصبح احتمالاً تقنياً قائماً، خاصة وأن إيران تمتلك بالفعل مخزوناً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
فإن هذا التطور يضع العالم على حافة الهاوية، حيث أن أي هجوم إسرائيلي قادم على المنشآت المتبقية قد يكون الصاعق الذي يفجر أول تجربة نووية في تاريخ المنطقة.
كما أن هذا التطور يعكس انتقال الصراع من استهداف تقليدي للبنية العسكرية إلى ضربات موجهة ضد بنى تحتية ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بالقدرات النووية، في ما يمكن وصفه بـ"توازن ردع هش": يتمثل في استهداف منشأة نووية أو شبه نووية يقابله تهديد مماثل، مع إدراك متبادل أن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى كارثة واسعة النطاق تتجاوز حدود الطرفين.
الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها
وفي جميع الأحوال تبقى الحقيقة التي لا يمكن لأحد إنكارها هي حقيقة أن الصراع العسكري الأمريكي الإسرائيلي - الإيراني قد دخل المرحلة الأكثر خطورة، حيث لم يعد السؤال ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل إلى أي مدى يمكن احتواء منطق "الضربة مقابل الضربة" قبل أن ينفلت الوضع بالكامل باتجاه فرضية استخدام السلاح النووي وإن كانت لا تزال بعيدة عملياً، ليس لاعتبارات أخلاقية أو سياسية فقط، بل لأن كلفتها الاستراتيجية أصبحت غير قابلة للاحتواء، في ظل قدرة الخصوم على توجيه ضربات انتقامية تطال منشآت حساسة قد تؤدي إلى تلوث إشعاعي واسع النطاق.