بينما كانت التقديرات الأميركية – المبنية على رؤى نتنياهو الاستراتيجية – تراهن على انهيار النظام الإيراني من أولى الضربات، ها هي القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) اليوم تطلق طلباً عاجلاً لتوريد ملاجئ محصنة قابلة للنقل، بهدف إنقاذ قواتها المتبقية من وابل صاروخي إيراني أثبت أنه أكثر تدميراً مما قدر له.
أبعاد أكثر خطورة
هذه التفاصيل التي ربما بدت للوهلة الأولى مجرد إعلان روتيني عن مناقصة عسكرية، حملت في طياتها أبعاداً أكثر خطورة مما يبدو، خاصة أنها لم تظهر في أي منصة حكومية معتادة، بل كشف عنها موقع "ذا وور زون" المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية، الذي يتابع بدقة أدق تحركات البنتاغون ومشترياته الطارئة.
فوجود مثل هذا الإعلان في هذا التوقيت بالذات، ونشره عبر منصة تختص برصد أدوات الحرب، يشير إلى أن القيادة المركزية كانت في حالة استعجال شديد لدرجة أنها لجأت إلى قنوات غير تقليدية للتعاقد مع موردين مدنيين، متجاوزة الإجراءات المعتادة للتسليح التي تستغرق شهوراً. الموقع الذي نشر الوثيقة أشار إلى أن الطلب يتضمن تفاصيل غير مسبوقة من حيث السرعة المطلوبة للتسليم، وهو ما دفع متابعيه إلى التساؤل عن حجم الخسائر التي دفعتها القواعد الأميركية في الأسابيع الثلاثة الماضية.
ثمن القراءة الخاطئة للمشهد
كل من يتابع تفاصيل المعركة خلال الثلاثين يوماً الماضية يدرك أن واشنطن تدفع اليوم ثمن قراءة خاطئة للمشهد. فالقواعد الأميركية في شرق الأردن والعراق وسوريا والخليج تعرضت لضربات صاروخية إيرانية متزامنة، استخدمت فيها صواريخ باليستية تجاوزت في دقتها وتأثيرها كل ما كانت تقدّره التقارير الاستخباراتية.
حيث شنت إيران على مدار الأسابيع الماضية وابلاً من الصواريخ التي استهدفت مدارج الطائرات ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة، ومنظومات الإنذار المبكر ما أدى إلى إخراج أكثر من قاعدة عن الخدمة بشكل كامل.
والسؤال الذي يطرحه الضباط الأميركيون في النقاشات غير الرسمية هذه الأيام: كيف وصلنا إلى هنا؟
الحقيقة أن الإدارة الأميركية انزلقت خلف تقديرات نتنياهو الذي أقنعها بأن طهران على وشك الانهيار، وأن ضربات قاسمة ستكفي لقلب النظام. لكن ما حدث بعد الضربات الأولى كان صادماً: لم تتراجع إيران، بل ردت بضربات صاروخية فاقت في حجمها وكثافتها كل السيناريوهات الموضوعة. ومنذ ذلك الحين والقواعد الأميركية في المنطقة لم تعد قادرة على أداء مهامها الاعتيادية... حيث خرجت بالكامل عن الخدمة.
انسحاب إلى مناطق أكثر أماناً
المصادر العسكرية التي تحدثت لموقع "ذا وور زون" أكدت أن بعض المواقع الأميركية اضطرت إلى سحب أفرادها إلى مناطق أكثر أماناً داخل الأردن، وهو ما يفسر لماذا اختارت القيادة المركزية مطار الملك حسين الدولي في العقبة كنقطة لاستلام هذه الملاجئ، لأنه تحول إلى مركز خلفي بديل لقواعد كانت في السابق تعتبر خطوطاً أمامية.
الآن تطلب سنتكوم هذه الملاجئ إلى مطار الملك حسين الدولي في العقبة، جنوب الأردن. وليس من باب الصدفة أن تكون العقبة هي نقطة الاستلام. فالقيادة المركزية باتت تدرك أن أي قاعدة أميركية في سوريا أو العراق او الخليج أو حتى شرق الأردن لم تعد آمنة.
العقبة وموقعها المطل على البحر الأحمر
باتت العقبة - بموقعها المطل على البحر الأحمر وبعدها النسبي عن الجبهات المباشرة - تمثل الملاذ الأخير لتجميع ما تبقى من دفاعات. لكن حتى هذا الملاذ ليس بمنأى عن التهديد، فصواريخ إيران الباليستية تصل إلى أي نقطة في الأردن، وهذه حقيقة باتت معروفة للجميع في البنتاغون.
الأكثر إثارة للقلق في واشنطن أن الجداول الزمنية التي حددها الإعلان العسكري - ثلاثة أيام، 15 يوماً، 30 يوماً - توحي بأن الوضع لا يحتمل الانتظار.
ثلاثة أيام هي فترة غير مسبوقة لمثل هذه الصفقات التعاقدية، وتشير إلى أن هناك نقصاً حاداً في الحماية الميدانية ربما يكون مكشوفاً حالياً.وكأن القيادة الميدانية أرسلت تقاريرها إلى واشنطن بأن القوات المنتشرة في بعض المواقع باتت عرضة للشظايا بشكل يومي، وأن البدائل التقليدية إما دُمرت أو لم تعد صالحة للاستخدام.
حين تقرأ الطلب بالتفصيل، كما نشره الموقع المتخصص، تجد أن القيادة المركزية لم تطلب فقط ملاجئ جاهزة، بل طلبت من الموردين أن يحددوا بوضوح "أعلى مستوى من التهديد" الذي يمكن لهذه الملاجئ أن تتحمله، سواء من حيث قوة الانفجار أو الشظايا أو التأثير الباليستي.
التحصينات الحالية غيرة قادرة على الصمود
هذه الدقة في الطلب تعني أن القائمين على التخطيط العسكري لم يعودوا واثقين من قدرة التحصينات الحالية على الصمود أمام الصواريخ الإيرانية التي تتطور باستمرار.
فعندما تطالب سنتكوم الموردين بتحديد "أعلى مستوى من التهديد" الذي يمكن للملجأ أن يتحمله، من حيث قوة الانفجار أو الشظايا أو التأثير الباليستي، فهذا يعني أن التهديدات التي تواجهها القوات الأميركية اليوم ليست قذائف هاون عشوائية أو طائرات مسيرة صغيرة.
إنها صواريخ باليستية دقيقة قادرة على تدمير منشآت كانت تعتبر محصنة وفق أعلى المعايير. وإذا كان الحديث اليوم عن ملاجئ من الشظايا، فذلك مؤشر واضح على أن أنظمة الدفاع الجوي مثل "باتريوت" و"ثاد" لم تستطع توفير الغطاء الكامل، وأن البنتاغون بات يقبل بحماية أقل مما كان يعتبره قبل أشهر قليلة الحد الأدنى المقبول.
بل أكثر من ذلك، فإن بعض التحليلات التي تابعتها "ذا وور زون" أشارت إلى أن القيادة المركزية ربما تكون قد استنفدت مخزونها من أنظمة الدفاع الجوي الاعتراضية في الأسابيع الثلاثة الماضية، ما جعلها تلجأ إلى حلول بديلة وأقل كلفة لحماية الأفراد، في انتظار إعادة تزويدها بصواريخ اعتراضية قد لا تصل قبل أسابيع.
في الأروقة العسكرية الغربية، يتردد أن إيران استفادت من سنوات الصراع السابقة لتطوير ترسانة صاروخية متعددة، ولديها شبكة استخباراتية ميدانية تمكنها من توجيه ضرباتها بدقة متناهية.
وبينما راهن الأميركيون على التفوق التكنولوجي، وجدوا أنفسهم أمام عدو يتفوق في الكم والقدرة على التحمل، ويعرف جيداً نقاط الضعف في المنظومة الدفاعية الأميركية.
خيارات ضيقة وتراجع ملحوظ في النفوذ
اليوم بدأت القيادة المركزية تدرك أن الخيارات تضيق، وأن النفوذ الذي كانت تتمتع به قبل 30 يوماً تراجع بشكل ملحوظ. التقارير التي رصدها موقع "ذا وور زون" من مصادر في البنتاغون تشير إلى أن خسائر القواعد الأميركية لم تقتصر على الجانب المادي، بل طالت الجانب المعنوي أيضاً، حيث بدأت وحدات كاملة تفقد القدرة على التحرك بحرية في مناطق كانت تعتبر تحت سيطرتها الكاملة.
هذا الإعلان العاجل يحمل رسالة غير مباشرة إلى حلفاء واشنطن في المنطقة: نحن نعيد تنظيم دفاعاتنا، لكن لا تتوقعوا منا ذات الردع الذي كنتم تعتمدون عليه.
فالملاجئ ليست أسلحة ردع، ولا يمكنها استعادة المبادرة. هي مجرد اعتراف ضمني بأن القواعد الأميركية لم تعد قادرة على حماية نفسها بنفسها، وأن الأولوية اليوم هي الحفاظ على الأرواح وليس تحقيق نصر استراتيجي.
كما أن الحلفاء في المنطقة، وخاصة الأردن الذي أصبح اليوم مركزاً خلفياً للعمليات الأميركية، بدأوا يعيدون حساباتهم خوفاً من أن تتحول أراضيهم إلى ساحة لصراع لا يريدونه. وهو ما يفسر لماذا تم اختيار العقبة تحديداً، فهي منطقة سياحية حساسة، ووضعها تحت مظلة حماية أميركية مباشرة قد يجر الأردن إلى مواجهات لم يحسب لها حساباً.
الحقيقة التي أصبحت واضحة بعد ثلاثين يوماً
من المهم أيضاً النظر إلى ما لم يُذكر في الإعلان. فالعدد الإجمالي للملاجئ غير معروف، والمواقع المحددة لنشرها غير معلنة، والقيادة المركزية رفضت تقديم أي تفاصيل إضافية بدعوى "الأمن العملياتي".
هذا التكتم يختلف كثيراً عن الشفافية الأميركية المعتادة في مثل هذه الصفقات، ويوحي بأن هناك أجزاء من الصورة لا يريدون أن تصل إلى الرأي العام.
ربما يكون العدد كبيراً لدرجة يكشف عن حجم خسائر فادحة في البنى التحتية الدفاعية، أو ربما تكون المواقع المزمع نشر هذه الملاجئ فيها حساسة جداً لدرجة أن الإفصاح عنها قد يكون بمثابة توجيه للضربات الإيرانية القادمة.
محللون عسكريون يرون بأن هذا النوع من الطلبات العاجلة غالباً ما يكون مرتبطاً بنقل وحدات عسكرية كبيرة إلى مناطق قريبة من الجبهة، أو أن هناك تقييماً استخباراتياً يفيد بأن هجوماً وشيكاً سيستهدف مواقع أميركية غير محصنة بشكل كافٍ.
الحقيقة التي أصبحت واضحة بعد ثلاثين يوماً من هذه المواجهات هي أن واشنطن وجدت نفسها في حرب لم تخطط لها. انطلقت من حسابات خاطئة بأن النظام في طهران سيسقط سريعاً، فإذا بالحرب تطول وإيران لا تظهر أي بوادر انهيار، بل على العكس، تظهر قدرة على توجيه ضربات مؤلمة مع الحفاظ على تماسك جبهتها الداخلية وحلفائها الإقليميين.
اليوم، وبدلاً من أن تكون القيادة المركزية في موقع من يفرض الإرادة، تجد نفسها منشغلة بتأمين ملاجئ لجنودها من الشظايا، في مشهد يذكّر بأيام حرب فيتنام حين تحولت الأولويات من الانتصار إلى النجاة. ما يجعل المشهد أكثر مأساوية أن هذه الملاجئ لم تكن في الحسبان قبل بدء المعركة؛ فكل السيناريوهات التي وضعتها القيادة المركزية افترضت أن القواعد الأميركية ستبقى بمنأى عن الضربات المباشرة، أو أن الدفاعات الجوية ستكون كافية لاعتراض أي تهديد. الواقع كذب كل هذه الافتراضات.
بالتوازي مع ذلك، فإن مجرد احتياج القيادة المركزية إلى نشر طلب عاجل عبر منصة مثل "ذا وور زون" يعكس مدى الارتجال الذي وصلت إليه الإدارة العسكرية الأميركية في إدارة هذه الأزمة. فالمفترض أن جيشاً بحجم الجيش الأميركي يمتلك مخزوناً استراتيجياً من جميع أنواع المعدات الدفاعية، بما فيها الملاجئ المحصنة.