لماذا لا يمكن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالقصف؟

في عالم تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتتشابك فيه الملفات العسكرية والتقنية، يعود الحديث مجدداً عن البرنامج النووي الإيراني بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية، فبين التهديدات العسكرية والضغوط الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية، يبقى السؤال المركزي مطروحاً…

لماذا لا يمكن تدمير القدرات العسكرية الإيرانية بالقصف؟

هل يمكن فعلاً إنهاء البرنامج النووي الإيراني عبر القوة العسكرية؟ .. تفاصيل في السياق التالي :

تقرير | رسول حسين أبو السبح

في قراءة تحليلية لما طرحه الخبير في الفيزياء النووية والقانون الدولي هادي دلول في إحدى الحلقات الحوارية، يتضح أن الإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة كما تبدو في الخطاب السياسي والإعلامي، فالقوة النووية، بحسب رؤيته، لم تعد مجرد منشآت مادية أو معدات تقنية يمكن تدميرها بالقصف، بل أصبحت منظومة معرفية وصناعية متكاملة تتجاوز حدود الجغرافيا العسكرية.

معرفة علمية لا تدمر بالقصف
ومن هنا يطرح الدكتور دلول فكرة أساسية مفادها أن فهم البرنامج النووي الإيراني يتطلب النظر إليه بوصفه مشروع معرفة قبل أن يكون مشروع سلاح، وهو ما يجعل فكرة القضاء عليه عسكرياً فكرة مبسطة لا تعكس طبيعة التطور العلمي الذي وصلت إليه الدول التي تمتلك هذه التكنولوجيا.
المعرفة النووية كقوة لا تُدمَّر بالقصف… يؤكد دلول أن النقاش السياسي الدائر حول البرنامج النووي الإيراني غالباً ما ينطلق من تصور تقليدي للقوة النووية، يقوم على فكرة أن البرنامج النووي يتمثل في مجموعة منشآت يمكن تحديد مواقعها واستهدافها عسكرياً، غير أن هذا التصور يغفل عن حقيقة أساسية في عالم التكنولوجيا الحديثة، وهي أن العلم لا يُختزل في المنشآت.
فالمنشآت النووية مهما كانت متطورة ليست سوى أدوات تشغيلية، أما العنصر الحاسم في هذا المجال فهو المعرفة العلمية المتراكمة التي يمتلكها العلماء والمهندسون العاملون في هذا القطاع، وهذه المعرفة لا يمكن تدميرها بالقصف الجوي أو بالصواريخ، لأنها ليست مخزنة في مبنى أو منشأة واحدة، بل موزعة داخل شبكة واسعة من الخبراء والمؤسسات العلمية.
ولهذا السبب يشدد دلول على أن أي ضربة عسكرية قد تؤدي إلى تعطيل بعض المنشآت أو إبطاء العمل فيها، لكنها لا تستطيع القضاء على البرنامج نفسه، لأن العلماء الذين طوروا هذه التقنيات قادرون على إعادة بنائها خلال فترة زمنية ليست طويلة.
وبذلك يصبح البرنامج النووي في جوهره برنامجاً معرفياً متجذراً في البنية العلمية للدولة، وهو ما يجعل التعامل معه عسكرياً أكثر تعقيداً مما يتصور البعض.

معادلة استراتيجية
الوقود النووي كقلب ينعش المعادلة الاستراتيجية… ينتقل التحليل بعد ذلك إلى مسألة الوقود النووي، التي تعد من أكثر القضايا حساسية في الجدل الدولي حول البرنامج الإيراني، فالنقاش العام غالباً ما يركز على نسبة تخصيب اليورانيوم، لكن دلول يرى أن المسألة أعمق من ذلك بكثير، فالقدرة الحقيقية لأي دولة في المجال النووي لا تكمن فقط في تخصيب اليورانيوم، بل في امتلاك دورة الوقود النووي الكاملة، وهي سلسلة العمليات الصناعية والعلمية التي تبدأ من استخراج اليورانيوم من المناجم، ثم معالجته وتحويله إلى وقود نووي، وصولاً إلى استخدامه في المفاعلات أو التطبيقات الأخرى.
هذه الدورة تمثل العمود الفقري للاستقلال النووي، لأن الدولة التي تمتلكها تصبح قادرة على إنتاج الوقود النووي بنفسها دون الاعتماد على الخارج، وهذا ما يمنحها هامشاً واسعاً من الاستقلال السياسي والاستراتيجي.
ومن هنا يفهم سبب التركيز الدولي الكبير على مسألة التخصيب، لأن امتلاك هذه التقنية يعني عملياً أن الدولة باتت تمتلك القدرة التقنية التي يمكن تطويرها نظرياً في اتجاهات متعددة، سواء كانت سلمية أو عسكرية.

أداة ردع فعالة
البرنامج الصاروخي كأداة للردع الاستراتيجية… أن امتلاك المعرفة النووية وحده لا يشكل عنصر الردع الكامل في الحسابات العسكرية، فالقوة النووية في المفهوم الاستراتيجي الحديث ترتبط أيضاً بامتلاك وسائل الإيصال القادرة على حمل الرؤوس المتطورة إلى مسافات بعيدة.
وهنا يظهر دور البرنامج الصاروخي الإيراني الذي يعد، وفق التحليل الذي يقدمه دلول، جزءاً أساسياً من معادلة الردع الاستراتيجية، فالصواريخ الباليستية بعيدة المدى تمثل الوسيلة التي تجعل أي قدرة نووية محتملة أو مفترضة جزءاً من منظومة ردع فعالة.
ولهذا السبب ترفض إيران إدخال برنامجها الصاروخي ضمن المفاوضات الدولية، لأنها تعتبره جزءاً من منظومتها الدفاعية السيادية، فالتنازل عن هذا البرنامج يعني من وجهة نظرها تقويض أحد أهم عناصر الردع التي تمتلكها في بيئة إقليمية شديدة التوتر.
ومن منظور استراتيجي أوسع، فإن الجمع بين برنامج نووي متقدم وبرنامج صاروخي متطور يخلق ما يمكن تسميته بالمعادلة الردعية المركبة، وهي معادلة تجعل التفكير في الخيار العسكري أكثر تعقيداً بالنسبة لأي خصم محتمل.
حدود القوة العسكرية في مواجهة المعرفة… يصل التحليل في نهايته إلى سؤال جوهري، لماذا تفشل الضربات العسكرية غالباً في إنهاء البرامج النووية؟.

تجارب تاريخية
التجارب التاريخية تشير إلى أن القصف العسكري قد ينجح في تدمير منشآت أو تعطيل مشاريع لفترة زمنية محدودة، لكنه نادراً ما يقضي على البرامج النووية بشكل كامل، والسبب في ذلك أن هذه البرامج تقوم أساساً على المعرفة العلمية والبنية البحثية التي لا يمكن القضاء عليها بسهولة، بل إن بعض التجارب تشير إلى أن الضربات العسكرية قد تدفع الدول المستهدفة إلى تسريع برامجها النووية بدلاً من التخلي عنها، لأنها تعزز شعورها بالحاجة إلى امتلاك قوة ردع تحميها من التهديدات الخارجية.
ومن هنا يرى دلول أن التعامل مع الملف النووي لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، لأن الصراع في هذا المجال لم يعد صراعاً على المنشآت بقدر ما هو صراع على المعرفة والتكنولوجيا.

اخيراً حين تصبح المعرفة سلاحاً…
إن القراءة المتأنية لما يطرحه هادي دلول تكشف أن البرنامج النووي الإيراني يمثل نموذجاً لتحول عميق في طبيعة القوة في العالم المعاصر، فالقوة لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على إنتاج المعرفة العلمية وتوظيفها في مشاريع استراتيجية طويلة المدى.
وفي هذا السياق، يصبح من الواضح أن الحديث عن القضاء على برنامج نووي متقدم عبر القصف العسكري يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن المعرفة العلمية بخلاف المنشآت لا يمكن تدميرها بالصواريخ.
ولهذا ربما تختصر عبارة واحدة جوهر هذا التحليل، يمكن للصواريخ أن تهدم المباني، لكنها لا تستطيع أن تهدم العقول التي بنتها.
وفي عالم تتزايد فيه أهمية العلم والتكنولوجيا في موازين القوة الدولية، يبدو أن المعركة الحقيقية لم تعد تدور حول من يمتلك السلاح الأقوى، بل حول من يمتلك العقل القادر على إنتاجه.


طباعة