‏مضيق هرمز: كيف أعادت "استراتيجية الصمت" رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

في الوقت الذي تصاعدت فيه حدة التوتر في مياه الخليج، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام مأزق استراتيجي يتجاوز حدود "حرب التعريفات الجمركية" ليلامس جوهر الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

‏مضيق هرمز: كيف أعادت "استراتيجية الصمت" رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟

المحاولات المتعثرة لواشنطن في حشد تحالف دولي لمرافقة الناقلات النفطية عبر مضيق هرمز لم تعد مجرد فشل دبلوماسي، بل هي مؤشر على تآكل الثقة في "الضمانة الأمنية" الأمريكية لدى حلفاء تقليديين في آسيا وأوروبا.

استراتيجية "السيادة" الإيرانية
خلافاً للتوقعات الغربية التي راهنت في الأيام الأولى للمواجهة على انهيار سريع للنظام في طهران تحت وطأة الضربات العسكرية، أظهرت المعطيات الميدانية واقعاً مغايراً. لم تكن إيران تسعى ببساطة لإغلاق المضيق، بل كانت تخوض معركة "إثبات سيادة".
فبينما سعت واشنطن لتصوير إيران كدولة "منتهية" عسكرياً وسياسياً، استطاعت طهران – عبر سلسلة من الردود المدروسة وتطوير ترسانتها من الطائرات المسيرة – أن تفرض معادلة جديدة. وتشير تقارير عسكرية متخصصة إلى أن المسيرات الإيرانية تجاوزت قيود أنظمة الملاحة التقليدية (GPS)، لتعتمد على منظومات بديلة مثل الروسي (Glonass) والصيني (Beidou)، مما يجعلها أكثر مقاومة للتشويش الإلكتروني الأمريكي، وقادرة على التحليق بارتفاعات منخفضة تجعل اعتراضها مهمة انتحارية للأنظمة الدفاعية الحالية.

التحول في موازين القوى
إن الصفعة الأقوى لم تكن عسكرية فحسب، بل تمثلت في التوجه الهندي الأخير. فزيارة وزير الخارجية الهندي لإيران لبحث تأمين إمدادات الطاقة، بعيداً عن المظلة الأمريكية، تعكس تحولاً جذرياً في قراءة القوى الصاعدة للمشهد. الهند، كثالث أكبر مستورد للنفط عالمياً، أدركت أن مفاتيح الإمدادات ليست في حاملات الطائرات المتمركزة في المياه الدولية، بل في أروقة صنع القرار في طهران.
بالنسبة لدول الخليج، تضع هذه المعطيات عروشها أمام معضلة وجودية. فخيار التصعيد العسكري ضد إيران لم يعد مكلفاً اقتصادياً فحسب، بل بات يهدد أمن البنية التحتية النفطية ذاتها، في ظل واقع عسكري حيث تظل "مخازن النفط" تحت رحمة مسيرات لا تعترف بالحدود، وحيث لم تعد واشنطن قادرة على حماية الناقلات من "تصريح عبور" إيراني مفروض بحكم الأمر الواقع.

ما وراء الضجيج السياسي
ترامب، الذي يقدم نفسه كقائد لسياسة "أمريكا أولاً"، يجد اليوم أن العالم لم يعد يرى في هذه السياسة ضرورة لبقائه. الدول التي فُرضت عليها تعريفات جمركية قاسية قبل أشهر، ليست مستعدة اليوم للتضحية بأسطولها أو جنودها لتأمين مصالح أمريكية تتقاطع مع أجندات حلفاء واشنطن الإقليميين.
إننا نشهد اليوم تحولاً في قواعد الاشتباك؛ حيث لم تعد القوة الصلبة كافية لفرض الهيمنة. وفي الوقت الذي تكتفي فيه واشنطن بالتلويح بالعقوبات والتهديدات، نجحت إيران في تحويل مضيق هرمز من "ممر مائي دولي" إلى ساحة اختبار لنظام دولي جديد، حيث باتت "السيادة" هي العملة الأصعب في الشرق الأوسط، وباتت طهران – شئنا أم أبينا – شريكاً لا يمكن تجاوزه في معادلة الطاقة العالمية.


طباعة