فيضان إبستين الوثائقي .. لعبة تعتيم تحت قناع الإفصاح ومسرحية هزلية لإخفاء تفاصيل الجريمة
تسريب وثائق المجرم إبستين ليست مجرد قضية فساد جنسي عابر، بل مشهدية معقدة من الصراع على الحقيقة، حيث تتحول أدوات الكشف إلى آليات إخفاء، وتصبح الشفافية نفسها ستاراً من دخان يخفي تفاصيل الجريمة الأكثر ظلاماً.
ما نشهده اليوم ليس فشلاً في الإفصاح، إنما هو لعبة متقنة من التعتيم تحت قناع الوضوح، حيث تستخدم الحكومة الأمريكية آلية "التدفق الوثائقي" كسلاح ذو حدين: من جهة، تغرق به الرأي العام بملايين الأوراق لتخنقه بكثافتها، ومن جهة أخرى، تحصن النخبة القوية تحت مبررات قانونية ملتوية، فيما تترك الضحايا عرايا أمام أعين العالم.
فهد شاكر أبوراس
كم هائل من الوثائق
إنها معادلة خبيثة تتلاعب بمفهوم العدالة، وتجعل من "كشف الحقيقة" مسرحية هزلية بامتياز. فعندما ننظر إلى الكم الهائل من الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية، نجد أنفسنا أمام جبل ضخم من الورق يبلغ حوالي 3.5 مليون صفحة، وهو رقم يبدو للوهلة الأولى للمتتبع دليلاً على النزاهة المطلقة، ولكن سرعان ما يكتشف أن هذا الفيضان هو بحد ذاته أداة إخفاء.
فبينما كانت التوقعات عالية بكشف قوائم المتورطين، جاء الإفراج عن الوثائق بطريقة منهجية معرقلة، حيث تم تأجيل نشرها حتى اللحظات الأخيرة، ثم أطلقت بشكل جماعي لتجعل مهمة الصحفيين والمحققين في فرزها وتحليلها شبه مستحيلة، وهي الاستراتيجية التي توصف بـ"الامتثال الخبيث".
نسخ غير منقحة
الأكثر إدانة من ذلك هو الفجوة الهائلة بين ما تم تحديده كوثائق ذات صلة وما تم نشره فعلياً، حيث تم الإقرار بوجود حوالي 6 ملايين وثيقة ذات صلة بالقضية، لكن 2.5 مليون منها اختفت ببساطة من أعين الجمهور، لتذهب إلى غياهب النسيان الرسمي. حتى أن أعضاء الكونغرس الأمريكي أنفسهم لم يسلموا من هذه العرقلة، حيث سمح لهم بمراجعة نسخ غير منقحة، ولكن داخل غرف آمنة خالية من الهواتف والمساعدين، واضطروا لتدوين ملاحظاتهم يدوياً، مما يجعل فكرة مراجعة كميات هائلة من البيانات أشبه بمهمة مستحيلة، وكأن الهدف هو إجهاد العين وإرهاق الذهن قبل الوصول إلى أي اسم مثير.
المبرر القانوني المعتاد
لكن الأكثر إثارة للريبة هو عملية "التنقيح" نفسها، التي بدت وكأنها تخضع لمنطق معكوس تماماً. فبدلاً من حماية أسماء الضحايا والقصر، وهو المبرر القانوني المعتاد لإخفاء المعلومات، شهد النائب الديمقراطي جيمي راسكن ما وصفه بـ"أطنان من عمليات التنقيح غير الضرورية" التي استهدفت شخصيات قوية ونافذة، وكأن القانون يستخدم لحماية الجلادين بدلاً من حماية الضحايا.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التنقيح الغامض، اسم الملياردير ليكس ويكسنر، مؤسس إمبراطورية "فيكتوريا سيكريت"، الذي تم حجب اسمه من الوثائق رغم أن علاقته العامة والمعروفة بإبستين كانت حديث الصحف وموضوع تحقيقات سابقة، وهذا يطرح سؤالاً صارخاً: إذا كان الاسم معروفاً للعموم، فما الهدف من تنقيحه.؟ إلا محاولة يائسة لإضفاء شرعية على عملية الإخفاء الجماعي لأسماء أخرى غير معروفة!.
حالة من الشك المطلق
وهذا التكتيك يخلق حالة من الشك المطلق، حيث يصبح كل اسم تم تنقيحه مشتبهاً به، بينما يتم توجيه البوصلة بعيداً عن المتورطين الحقيقيين.
وتكتمل الصورة البشعة عندما ننتقل إلى الجانب الآخر من المعادلة، حيث تتحول الحماية المزعومة إلى فضح صريح، في تناقض صارخ مع الحفاوة التي قوبلت بها أسماء النخبة، قامت وزارة العدل بنشر أسماء العديد من الضحايا بالكامل، مع تفاصيل الاتصال بهن وصور فوتوغرافية صريحة لنساء وقاصرات، وهو ما وصفه النائب جيمي راسكن بأنه "تهديد متعمد" للضحايا الآخرين، وكأن الرسالة الضمنية هي تحذير لكل من تسول لها نفسها التقدم بشكوى: هذا هو مصيرك إن تحدثت.
مجرد ستار من دخان
وهنا يتحول شعار "حماية الضحايا" إلى مجرد ستار من دخان يخفي عملية انتقامية ممنهجة، تهدف إلى إسكات الأصوات المتبقية وترهيب أي ضحية جديدة من مغبة الإدلاء بشهادتها.
وفي خضم هذا المسرح العبثي، تأتي تصريحات النائبة العامة بام بوندي عام 2025 لتزيد الطين بلة، حيث قالت إن لديها "قائمة العملاء" على مكتبها، لتعود بعدها تقارير مكتب التحقيقات الفيدرالي الداخلية وتؤكد أن لا وجود لهذه القائمة، وأن ما تم تداوله إعلامياً هو مجرد تكهنات.
تناقض صارخ بين التصريحات
وهذا التناقض الصارخ بين التصريحات النارية والواقع المستند إلى وثائق رسمية، يكشف عن حالة من التضليل المتعمد للرأي العام، حيث تستخدم التصريحات السياسية كمسكنات مؤقتة لإرضاء الغضب الشعبي، فيما يبقى ملف التحقيق يراوح مكانه دون توجيه أي تهمة فعلية للأقوياء.
وهذه السردية ليست مجرد فضيحة أخلاقية فقط، بل هي انهيار لمنظومة العدالة نفسها.فعندما يقر تقرير الـ FBI بوجود اتهامات من أربع أو خمس ضحايا ضد رجال آخرين من دائرة إبستين، ثم يبرر عدم توجيه تهم فيدرالية لهم بعدم كفاية الأدلة، فإن هذا التبرير يبدو واهناً في سياق جريمة بهذا الحجم، خاصة عندما تقترن بالجهود الواضحة لحماية الأسماء الكبيرة.
إنه فشل متعمد في ملاحقة المتواطئين، وتحويل التحقيق إلى مجرد تمرين بيروقراطي يهدف إلى إنتاج وثائق لا إلى تحقيق عدالة.
إنها فضيحة مكشوفة وتغطية مستمرة، بقدر ما يظهر منها من تفاصيل مرعبة، لكنها تظل مغطاة بقدر ما تخفي من أسماء وتواطؤات.
في النهاية، ما يقدم لنا باسم الشفافية ليس سوى مسرحية من التضليل، حيث تستخدم الملايين من الوثائق ككثبان رملية لإخفاء الحقيقة تحت ركامها، فيما يبقى الضحايا والجناة في مشهد سريالي: الأولى تُفضح عوراتهم، والآخرون تُحصن حصانتهم، لتكون العدالة هي الضحية الأكبر في هذه القضية.