معركة المواجهة المفتوحة لفرض معادلة الحصار بالحصار

معركة المواجهة المفتوحة لفرض معادلة الحصار بالحصار

الزيارات: 18

دخلت المواجهة في البحر الأحمر مرحلة جديدة، فاستهداف الناقلة السعودية "وفاء" قبالة ميناء ينبع شمال البحر الأحمر لم يكن حادثاً عابراً، بل إعلاناً عن اتساع جغرافية معادلة "الحصار بالحصار"، ونهاية فكرة وجود مسارات بديلة آمنة للملاحة السعودية.

بعد تصاعد العمليات اليمنية في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، لجأت الرياض إلى خطة بديلة تحويل مسار ناقلاتها النفطية شمالاً باتجاه قناة السويس والالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح وكان الهدف تجنب نقطة الاختناق الجنوبية وتقليل الكلفة السياسية للتصعيد، وجاء الرد سريعاً، فعملية "وفاء" أثبتت أن المعادلة اليمنية لم تعد محصورة في الجنوب، وأن القدرات الاستطلاعية والهجومية قادرة على تغطية كامل مسرح البحر الأحمر.
الرياض كانت قد اختبرت هذا المنطق مسبقاً، فبعد قصف مطار صنعاء وميناء الحديدة وجزيرة كمران، ومحاولات تجسس بالمسيرات، تلقت ردوداً موجعة زادت من النزيف الاقتصادي منذ 20 يوليو الماضي ومنذ ذلك الحين اختارت نهج "التأني" بدل التصعيد المفتوح، لكن ذلك لم يمنع تمدد العمليات.. جوهر المعادلة اليمنية كما يوضحها بيان القوات المسلحة لا يقوم على العدوان، بل على فرض توازن لإجبار طرف الحصار على رفعه، لذلك صيغت لتكون مفتوحة جغرافياً وزمنياً، ولم تعد مقتصرة على باب المندب فقط، بل امتدت لتشمل شمال البحر الأحمر كاملاً، حيث تتركز أهم الموانئ والمشاريع التنموية السعودية والرسالة هنا مباشرة تغيير مسار السفن أو الابتعاد عن المضيق لن يعفي المشاريع الكبرى من دائرة التأثير.
قد تنجح السعودية مؤقتاً في تسيير بعض السفن عبر الطريق الطويل حول أفريقيا، لكن ذلك يأتي بكلفة مضاعفة في الوقت والتأمين، ولا يضمن الأمان، كما كشف هذا الخيار عن عجز في تقدير تطور المعادلة اليمنية ومداها.
التجربة الميدانية للسنوات الماضية أثبتت محدودية الرهان على المنظومات الدفاعية المتطورة، فمئات الملايين التي أنفقت على أنظمة الحماية لم تمنع وصول الصواريخ والمسيرات اليمنية إلى أهدافها، حتى القوة الأمريكية بكل حاملاتها وتحالفاتها عجزت عن تأمين الملاحة في البحر الأحمر أو كسر القدرات اليمنية، فإذا كانت واشنطن لم تنجح، فإن الرياض وحدها، أو عبر تحالفاتها، تواجه واقعاً أكثر تعقيداً، فالأهداف السعودية اليوم مكشوفة، وتمثل نقاطاً حيوية يسهل الوصول إليها، في وقت لا تملك فيه الرياض أدوات ردع ذاتية كافية خارج إطار الدعم الخارجي.
القوات المسلحة اليمنية تقول إن مطالبها واضحة ومشروعة: رفع القيود عن المطارات والموانئ، تأمين حرية السفر، صرف المرتبات، وقف نهب الثروات، وإنهاء التدخل الخارجي، وهذه المطالب هي حقوق للشعب اليمني لا تخدم أي طرف خارجي، ومع ذلك، لا يزال النهج السعودي يتعامل مع الأزمة من زاوية أمنية وعسكرية فقط، ويتجاهل البعد السياسي والإنساني وهو ما يراه محللون سبباً رئيسياً لاستمرار التوتر، ويصفونه بـ "المكابرة السياسية" التي تغذي عدم الاستقرار ليس في اليمن فقط، بل في الإقليم كاملاً.
انتقال العمليات إلى شمال البحر الأحمر غيّر كل الحسابات، فلم يعد الحديث عن مضيق بعينه، بل عن بحر كامل تحول إلى ساحة واحدة، والخلاصة التي تفرضها المعطيات الميدانية والاقتصادية واضحة استقرار الملاحة والطاقة في المنطقة لن يتحقق بإجراءات أمنية أو مسارات التفافية، بل الحل يكمن في معالجة سياسية شاملة تقوم على إنصاف اليمن وتمكينه من حقوقه.
اليمن أعلن أنه ماضٍ في فرض معادلته مهما كانت التضحيات وخوض مواجهة مفتوحة اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، إنها مقامرة بكلفة عالية قد تمتد لتشمل استقرار المشاريع الكبرى ومستقبل الاقتصاد السعودي، ولم يعد هناك "ملاذ آمن" في البحر الأحمر، إما تسوية تحفظ الحقوق، أو استمرار في معادلة يدفع الجميع ثمنها.

طباعة