صرخة وطن في زمن الارتزاق!!

صرخة وطن في زمن الارتزاق!!

الزيارات: 22

عندما تشاهد القنوات الفضائية اليمنية - سواء تلك العاملة في الداخل أو الباثة من خارج الوطن - مشاهدَ الحشود العسكرية المهيبة التي تحشدها حكومةُ "الأمر الواقع" في صنعاء، أو حكومةُ "الشرعية" المقيمة في الرياض، وهي تستعرض قوتها وإمكاناتها، فإن تلك المشاهد تبعث في النفس الفخرَ بقدرات هذا البلد العريق،

الذي سخّر أبناءه وموارده لبناء دولة قوية، وهو ما يكفي لتغيير معادلات الردع الإقليمية. غير أن هذا الفخر يتحول سريعاً إلى حسرة حين نتبين الاتجاه الذي تُصرف فيه تلك القوة؛ إذ تُهدر في احتراب عبثي بين الإخوة، وتتحول من درع حصين للسيادة الوطنية إلى أداة في مسرح عمليات تُديره قوى إقليمية - وتحديداً السعودية والإمارات - لا تضمر لليمن سوى التمزق، وتسعى بإصرار لإبقائه مجرد حديقة خلفية خاضعة لهيمنتها.
لقد نجح الأعداء الحقيقيون في تحويل البوصلة نحو الخصومة الداخلية، تاركين الخطر الخارجي الذي يتربص بثروات اليمن وسيادته. وقد أثبت التدخل السعودي ـ الإماراتي السافر في الشأن اليمني، وما رافقه من تأجيج للحرب بين الأشقاء وتحكم بالقرار السيادي، أنه العامل الأكبر في إهدار تلك الطاقات الهائلة. فالحصاد المرير للسنوات العجاف يؤكد أن هذا التدخل لم يكن يوماً لإعادة "شرعية" مزعومة إلى عدن أو غيرها؛ فالواقع العسكري والسياسي يشهد بفشل هذه القوى في تثبيت أي نموذج لدولة المؤسسات، مكتفيةً بإبقاء القيادات السياسية رهينة في فنادق الرياض، حيث تُدير وهماً سيادياً، وتوقّع على بياض لمصادرة القرار اليمني ونهب ثرواته الاستراتيجية.
ومن المؤسف حقاً أن تنزلق بعض القيادات المحسوبة على الشرعية في مستنقع الارتهان، لتشتري وطناً وتاريخاً لعدو لم تتوقف أطماعه، ولطخت يداه بدماء اليمنيين منذ ثلاثينيات القرن الماضي. والأكثر مرارةً من ذلك تلك السذاجة الاستراتيجية التي تجعل بعض القوات تتلذذ بتوجيه نيرانها نحو صدور إخوانها، بل وتتباهى بتبني غارات جوية للعدو التاريخي، تدمر بنيتها التحتية وتقتل أبناء جلدتها، في انسلاخ تام عن كل عقيدة عسكرية وطنية وأخلاق إنسانية.
إن اليمن، بموقعه الجيوسياسي الحاكم وثرواته الكامنة، ليس بلداً فقيراً ليُساق أبناؤه إلى محارق الموت بحثاً عن راتبٍ أو فتاتٍ يُلقى إليهم من وراء الحدود؛ فمقدراته تكفي لضمان عيش كريم لملايين الأجيال القادمة. بيد أن استمرار حالة الارتزاق، وتحول البندقية اليمنية إلى بندقية مأجورة، يكرّس الفقر والجهل والمرض. ولا يمكن لوطن أن ينهض بينما يقبل بعض أبنائه الارتماء في أحضان من يسعى لتدميرهم، ويقتاتون من إناء تملؤه دماء الأبرياء.
إن استمرار العدو في نهب الثروة والسيطرة على القرار السيادي، وإبقاء اليمنيين في حالة صراع وفرقة، ليس سوى امتداد لحلمه القديم بالهيمنة المطلقة. ومن هنا، يحتم حب اليمن على أبنائه اليوم رصّ الصفوف، وتناسي المصالح الشخصية، وتوحيد الجهود لمواجهة العدو المشترك الذي يتربص بالوطن.
وأخيراً، رسالتي إلى تلك القيادات المتصارعة التي أدمنت التكسب من دماء اليمنيين: قد آن أوان الحساب التاريخي. إن استمراركم في تمزيق النسيج المجتمعي وتغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية العليا هو خيانة لا تُغتفر. أمامكم خياران استراتيجيان لا ثالث لهما: إما أن ترتقوا إلى مستوى التحدي، فتوحّدوا الصفوف وتوجهوا بوصلة السلاح نحو من يصادر سيادتكم، وإما أن تغادروا المشهد السياسي والعسكري فوراً، غير مأسوف عليكم. أدركوا جيداً أن إرادة الشعوب هي من تصنع القادة وتمنحهم الشرعية، لا فوهات المدافع المأجورة، ولا إملاءات السفراء في الغرف المغلقة. إما أن تعيشوا كرماء تحت راية يمنٍ حر ومستقل، أو يطويَكم التاريخ في صفحات الخزي والعار.

طباعة