على منصة التخرج .. تتويج لسنوات من الكفاح والصمود

على منصة التخرج .. تتويج لسنوات من الكفاح والصمود

الزيارات: 88

هناك لحظات في العمر لا تُقاس بالسنوات، بل بما تحمله من مشاعر الفخر والامتنان والفرح. ومن بين تلك اللحظات الخالدة في ذاكرة الآباء، أن يروا أبناءهم وهم يقطفون ثمار سنوات طويلة من الجد والاجتهاد، ويعتلون منصات التتويج حاملين شهادات العلم والمعرفة.

اليوم أقف وأنا أعيش واحدة من أجمل هذه اللحظات، لحظة تخرج ابنتي من جامعة اقرأ، حاملة شهادة البكالوريوس في تخصص الإذاعة والتلفزيون، بعد رحلة امتدت سنوات من السهر والتعب والمثابرة والإصرار.
وأعترف أن الدموع انهمرت من عيني وأنا أشاهدها تعتلي منصة التتويج، وتتسلم شهادة تخرجها وسط زميلاتها. لم تكن دموع فرح فحسب، بل كانت دموع سنوات طويلة من الأمل والانتظار والدعاء. في تلك اللحظات عاد بي الزمن إلى الوراء، وتذكرت ذلك الحلم الذي كان يراودني منذ سنوات، أن أرى ابنتي وقد أصبحت خريجة جامعية تحمل علماً ومعرفة ورسالة، وتشق طريقها بثقة نحو المستقبل. كان حلماً يسكن القلب، وها هو اليوم يتحول إلى حقيقة أراها أمام عيني.
أكاد لا أصدق أن تلك الطفلة الصغيرة التي كانت بالأمس القريب تمسك بيدي في طريقها إلى المدرسة، ها هي اليوم تقف شامخة بين الخريجين والخريجات، مرتدية ثوب التخرج، وحاملة شهادة طالما حلمت بها وسعت إليها. وكأن الأيام مرت كلمح البصر؛ سنوات الطفولة والدراسة والمراحل المتعاقبة عبرت سريعاً، لكنها تركت وراءها قصصاً من الكفاح والنجاح لا تُنسى.
ولعل ما يزيد هذه اللحظة قيمة وعظمة أنها جاءت في ظل ظروف استثنائية عاشها ويعيشها شعبنا اليمني. فالتخرج في مثل هذه المرحلة ليس مجرد إنجاز أكاديمي، إنما هو عنوان للصمود والثبات، ورسالة واضحة بأن إرادة الحياة والعلم أقوى من كل التحديات والمؤامرات التي استهدفت هذا الوطن وأبناءه.
لقد واصل أبناؤنا وبناتنا تعليمهم رغم الصعوبات، وتمسكوا بأحلامهم رغم قسوة الظروف، لأنهم يدركون أن العلم أحد أهم ميادين المواجهة والبناء. ولهذا فإن كل شهادة تخرج تُمنح اليوم تمثل انتصاراً جديداً للإرادة اليمنية، وتأكيداً على أن هذا الشعب قادر على النهوض مهما كانت التحديات.
كما أن هذه اللحظات السعيدة لا يمكن فصلها عن التضحيات العظيمة التي قدمها الشهداء والجرحى في سبيل بقاء الوطن عزيزاً وصامداً. فثمرة النجاح التي نجنيها اليوم ارتوت بدماء الشهداء الزكية، وبصبر الجرحى وآلامهم، وبصمود الأسر اليمنية التي تحملت الكثير من أجل أن يستمر التعليم والحياة والبناء. ومن الوفاء لتلك التضحيات أن يتحول هذا العلم إلى عمل، وهذه الشهادات إلى عطاء وإنجاز وخدمة للوطن.
إن تخرج أبنائنا وبناتنا لا يعني نهاية رحلة التعليم فحسب، بل يعني بداية مرحلة جديدة من المسؤولية. فالشهادة ليست ورقة تُعلّق على الجدران، وإنما عهد والتزام ورسالة. إنها إعلان عن انتقال الراية إلى جيل جديد من الشباب، جيل يحمل أحلام الوطن وآماله، ويتحمل مسؤولية المساهمة في بنائه وتنميته والدفاع عن مكتسباته.
وفي هذه اللحظة التي أرى فيها ابنتي تتوج سنوات اجتهادها، أشعر أن فرحتي لا تخصني وحدي، بل هي فرحة كل أب وأم رأوا أبناءهم ينتصرون على الصعاب، وفرحة وطن يراهن على شبابه المتعلم ليصنع مستقبله.
أبارك لكِ ولكل زميلاتك وزملائك هذا التخرج، وأدعو الله أن يجعله فاتحة خير ونجاح دائم، وأن يوفقكِ في حياتكِ المقبلة، وأن يحفظ أبناء اليمن وبناته، ويجعلهم ذخراً لوطنهم وأمتهم.
فاليوم لم تتوج ابنتي وحدها، بل توجت معها سنوات من الصبر والأمل، وتوج معها إيمان شعب كامل بأن العلم سيظل الطريق الأقصر نحو بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

طباعة