غـزة .. من وقف النار إلى العودة للتصعيد
في 11 أكتوبر 2025 دخل اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، لكن منذ الساعات الأولى وثّقت مصادر ميدانية خروقات إسرائيلية متكررة شملت قصفاً جوياً ومدفعياً، ونسف منازل، وإطلاق نار، وأوامر إخلاء مفاجئة تسببت بنزوح متكرر للسكان،
في حين تذرعت إسرائيل بتنفيذ الاتفاق وفرضت ما تسميه "الخط الأصفر"، وباتت تسيطر على ما يقارب 60% من مساحة القطاع، بينما التزمت فصائل المقاومة ببنود المرحلة الأولى وقف إطلاق النار وتسليم الأسرى الأحياء والجثامين، أما إسرائيل فلم تنفذ تعهدات الانسحاب إلى ما وراء الخط الأصفر ولا إدخال المساعدات بانتظام.
مع استمرار الخروقات شددت إسرائيل القيود على دخول المساعدات الإغاثية والطبية والوقود ومواد البناء، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 370 ألف وحدة سكنية، ما ترك مئات آلاف الأسر بلا مأوى، بالإضافة الى ان منظمة "هيومن رايتس ووتش" أكدت أن البنية الإنسانية لا تزال مهددة بعد أكثر من سبعة أشهر على الاتفاق، وأن حجم المساعدات انخفض منذ أوائل 2026 ولم يعد إلى الحد الأدنى الذي تشترطه وكالات الأمم المتحدة، وحذرت أربع وكالات أممية من أن المجاعة التي تراجعت بفضل وقف النار قد تعود سريعاً دون استدامة الإمدادات.
في يناير 2026 أعلنت واشنطن بدء المرحلة الثانية من خطة "اليوم التالي" المستندة إلى قرار مجلس الأمن 2803، والتي تشمل إعادة الإعمار وترتيبات ما بعد الحرب، ولكن إسرائيل واصلت تعطيل الانتقال الفعلي إلى هذه المرحلة، واعتبر مراقبون أن تل أبيب تتعامل مع وقف النار كإجراء أمني مؤقت وليس كإنهاء للحرب، فخلال الأشهر الماضية عادت إسرائيل لاستهداف منازل سكنية ونقاط شرطة، وتنفيذ عمليات هدم بعد إنذار السكان وهذا يعكس خطة عسكرية جديدة تقوم على زيادة الضغط والذهاب نحو تصعيد أوسع بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض، بينما ادعى "مجلس السلام" الإسرائيلي في تقرير لمجلس الأمن أن تل أبيب سمحت بزيادة تدفق المساعدات بنسبة تجاوزت 70% وبإدخال نحو 300 ألف طن من المواد الإغاثية، وهو ما نفته الجهات المختصة في غزة هذه الأرقام وأكدت استمرار تشديد الحصار.
إن إسرائيل تسعى من خلال هذا التصعيد الميداني إلى تثبيت السيطرة على مناطق واسعة عبر "الخط الأصفر "وخلط الأوراق وتعقيد المسار التفاوضي ونقل الضغط إلى الجانب الفلسطيني، بالإضافة الى فرض شروط جديدة تتعلق بنزع سلاح المقاومة وترتيبات "اليوم التالي" قبل استكمال المرحلة الأولى، واستخدام التصعيد كورقة داخلية في الحسابات السياسية والانتخابية.
التصريحات الأخيرة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بشأن توسيع مناطق السيطرة في قطاع غزة والتهديد باحتلال 70% منه تكشف مساعيه للتهرب من استحقاقات المرحلة الثانية، خاصة الانسحاب التدريجي من "الخط الأصفر"، فنتنياهو يرى في تنفيذ المرحلة الثانية انتحاراً سياسياً له، ما يدفعه لاستمرار الحرب لاعتبارات شخصية، إلى جانب أن تهديداته تحمل رسالة طمأنة لجمهور اليمين المتطرف بأنه متمسك بفكرة التهجير القسري وإقامة مدينة يهودية على أنقاض غزة لكسب تأييده في الانتخابات القادمة، حيث أصدر نتنياهو توجيهات رسمية للجيش بزيادة نطاق السيطرة البرية في القطاع لتصل إلى 70%، وقال في مؤتمر مؤخراً: "كنا عند 50%، ثم انتقلنا إلى 60%، وتوجيهاتي الحالية هي الانتقال تدريجياً للسيطرة على 70% قبل أي شيء.. دعونا نمضي خطوة بخطوة".
خرائط جيش الاحتلال التي وزعها على منظمات الإغاثة أظهرت سيطرته الفعلية على ما يقارب 64% من أراضي القطاع عبر توسيع المناطق المحظورة، ففي مطلع مايو 2026 أكدت الأمم المتحدة أن جيش الاحتلال وسع احتلاله عبر إنشاء "الخط البرتقالي" إلى جانب الخط الأصفر، وفي 26 مايو الماضي اعتبرت حركة حماس إصرار الاحتلال على تكريس "الخط البرتقالي" نسفاً صريحاً لاتفاق وقف النار ومحاولة مفضوحة لفرض وقائع ميدانية جديدة بالقوة وتقويض أي فرصة لاستقرار الأوضاع، والنتن ياهو يعيش مأزقاً حقيقيا وهو بحاجة لتقديم إنجازات لتسويقها في حملته الانتخابية والتغطية على فشله أمام إيران وتورطه في لبنان ويستغل في ذلك الصمت الدولي المطبق، وضعف الموقف العربي، وغض الطرف الأمريكي عن التجاوزات.
بعد 7 أشهر على اتفاق أكتوبر بقي التنفيذ محصوراً في جزء من المرحلة الأولى. ومع استمرار القصف والحصار وتعثر إعادة الإعمار، تتحول التهدئة إلى وضع "لا حرب ولا سلم"، ومع غياب ضغط دولي فعال، تبقى غزة أمام احتمالين: إما العودة إلى مواجهة أوسع، أو تثبيت ترتيبات أمنية إسرائيلية طويلة الأمد تحت غطاء التهدئة، فالمسألة لم تعد تقتصر على خروقات عادية بل تمس مصداقية الوسطاء أنفسهم، واستمرار الخروقات بمثابة إهانة للجهود الإقليمية والدولية، فعلى الوسطاء ممارسة ضغوط حقيقية على الإدارة الأمريكية لتضغط بدورها على إسرائيل لوقف العدوان واحترام الاتفاقيات.
الحديث عن توسيع السيطرة في غزة وتكثيف الاستيطان في الضفة والدعوات للاستيطان في سوريا ولبنان يضع الشارع العربي والإسلامي أمام حقيقة المطامع الصهيونية، فاستقرار المنطقة والعالم لن يتحقق إلا بوقف العدوان ومنح الشعب الفلسطيني حقه المشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.