كيف حوّلت طهران التفاهم مع أميركا إلى هزيمة للاستكبار؟

كيف حوّلت طهران التفاهم مع أميركا إلى هزيمة للاستكبار؟

الزيارات: 446

في لحظةٍ إقليميةٍ كثيفة الاشتباك، ومع تصاعد المواجهة بين محور المقاومة ومنظومة الاستكبار العالمي، جاء الإعلان عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ليُشعل معركةً من نوعٍ آخر هي معركة الرواية والوعي.

وبالمقابل سارعت أدوات الإعلام الغربي والأقلام المأجورة إلى تسويق سردية “تخلّي إيران عن حلفائها”، لكن الوقائع السياسية، ونصوص التفاهم، وردود الفعل الصهيونية الغاضبة، نسفت هذه الرواية من جذورها.. في هذه القراءة التحليلية الاستراتيجية نحاول تفكيك مضمون التفاهم، وكيف تحوّل إلى شاهدٍ على وفاء إيران، وقوة محور المقاومة، وانكسار الكيان الصهيوني في السياسة كما في الميدان.
تكشف بنود مذكرة التفاهم أنّ ما جرى لم يكن صفقة تهدئة تقنية، بل اشتباكاً سيادياً فرضت فيه طهران معادلاتها أبرز ما في التفاهم:
- وقف شامل ودائم لإطلاق النار على جميع الجبهات، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية.
- ربط أي تهدئة إقليمية بضمان سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
- تخفيف تدريجي للعقوبات، وفتح الممرات البحرية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة.
- مرحلة انتقالية تُدار بمنطق الدفع مقابل الالتزام، لا الإملاء الأحادي.
مما سبق تتجلى حقيقة إن إدراج لبنان في صلب التفاهم ليس تفصيلاً إجرائياً، بل عنوان سيادي يُسقط وهم الفصل بين الساحات، ويُثبت وحدة الجبهات في منطق محور المقاومة.

الوفاء الإيراني للحلفاء
على عكس السردية الغربية، لم تُدار المفاوضات الإيرانية من موقع المساومة على الحلفاء، بل من موقع الحماية الاستراتيجية لهم وقد تجلّى هذا الوفاء في:
- الإصرار على إدراج الجبهة اللبنانية كبند غير قابل للتجزئة.
- التنسيق السياسي المسبق مع قوى المقاومة، بما يؤكد أنّ الحلفاء كانوا شركاء في القرار لا أوراق تفاوض.
- ضبط الرد العسكري بعد الاعتداءات الإسرائيلية، لا ضعفاً، بل توظيفاً واعياً للقوة في خدمة نتيجة استراتيجية أشمل.
وهكذا أثبتت إيران أنّ الوفاء ليس شعاراً أخلاقياً فقط، بل سياسة دولة تُمارَس تحت النار.

سقوط سردية الإعلام الغربي
تعرّت ماكينة التضليل الغربية أمام نصوص التفاهم وردود الفعل الدولية. واصطدم الإعلام الذي بشّر بانقسام محور المقاومة بثلاث حقائق دامغة:
- الوثيقة الرسمية التي ربطت التهدئة بوقف العدوان على لبنان، وهو نقيض رواية الصفقة المنفردة.
- النتائج العملية التي منحت إيران مكاسب سيادية ملموسة، ما يؤكد أنّ التفاوض جرى من موقع قوة.
- الهلع الصهيوني؛ فلو كانت طهران قد تخلّت عن حلفائها، لكانت تل أبيب أول المحتفلين، لا أول المعترضين.
وهكذا سقط الإعلام المأجور في امتحان المصداقية، وانكشفت وظيفته كأداة حرب نفسية لا كمنبر حقيقة.

الإعلام المقاوم وصناعة الوعي
في مواجهة التضليل الغربي، لعب الإعلام المقاوم دوراً مركزياً فيتفكيك الرواية الغربية بنداً بنداً وربط السياسة بالميدان وشرح منطق الصبر الاستراتيجي وتثبيت الثقة الشعبية بمحور المقاومة ومنع اختراق الوعي الجمعي..ولم يكن الإعلام المقاوم ناقلاً للأحداث فحسب، بل شريكاً في المعركة، يُحوّل الوثيقة السياسية إلى نصرٍ معنوي مُحكم، ويمنع تحويل السياسة إلى أداة هزيمة نفسية.

مكاسب المحور وانكسار الكيان
وتُظهر الحصيلة الاستراتيجية للتفاهم تكريس معادلة: لا أمن في المنطقة من دون وقف العدوان على لبنان وتظهر أيضا اعترافاً غير مباشر بثقل محور المقاومة كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها وانكشاف هشاشة الكيان الصهيوني، الذي وجد نفسه خارج غرفة القرار، غارقاً في انقسام داخلي حاد داخل إسرائيل.
إنه انكسار سياسي يُضاف إلى الانكسارات الميدانية، ويؤشر إلى انتقال المنطقة من زمن الهيمنة الأحادية إلى زمن توازن الردع.

الخلاصة :
ليست مذكرة التفاهم (الأميركية - الإيرانية) تنازلاً، بل وثيقة إدانة لسردية الاستكبار، وشهادة وفاء لمحور المقاومة ولقد أثبتت إيران أنّ الحلفاء لا يُباعون على طاولة التفاوض، وأنّ الدم الذي يُصان في الميدان يُصان أيضاً في السياسة أما الإعلام الغربي، فقد خسر معركة الوعي، بينما خرج الكيان الصهيوني أضعف، أكثر عزلة، وأشد ارتباكاً.
إنها مرحلة تُكتب فيها المعادلات بلغة الصمود، حيث تكون المقاومة شريكاً في القرار .. لا موضوعاً للتفاوض.

طباعة