إن تحرّك ترامب ليس سوى حلقة جديدة في مسرحية أميركية طويلة عنوانها الإبادة تحت راية الإنسانية، وسيناريوها مكتوب بمداد المصالح، ودماء الضحايا.
فكيف يمكن لسفّاح أن يزعم السعي إلى وقف حرب هو نفسه من أسّس لها بقراراته، وأضفى عليها طابع "الحق المقدس"...؟
وكيف يُروّج هذا السفّاح لوقف القتل، فيما فلسفته السياسية منذ "صفقة القرن" تقوم على إدامة الاحتلال وشرعنة الاستيطان وتكريس الخضوع...؟
احتواء اللهيب
يأتي تحرّك ترامب في لحظة إقليمية شديدة الحساسية: هدأت طبول الحرب بين إيران والكيان الصهيوني، لكنها ما زالت تدوي في غزة والعدوان الإسرائيلي، الذي بدأ منذ أكتوبر 2023، حصد حتى اللحظة أكثر من 57,000 شهيدا وترك أكثر من 134,000 مصاب، بحسب تقرير وزارة الصحة في قطاع غزة اليوم، في مشهد يجعل صمت العالم تواطؤًا، وادعاء الإنسانية مهزلة أخلاقية.
في هذا السياق، يسعى ترامب إلى تقديم نفسه كرجل المهمات الصعبة، متسلّقًا على المأساة الفلسطينية ليعود إلى واجهة السياسة الأميركية.. فالمصلحة، لا الضمير، هي محركه الوحيد؛ والصورة الإعلامية، لا الألم الفلسطيني، هي ما يعنيه.
أهداف مضمرة
عندما تكون المبادرة غطاءً للجريمة رغم مسحة "الوساطة" التي تحاول الآلة الدعائية أن تُلبسها لترامب، فإن مساعيه تنضح بأجندات خفية:
1. إنقاذ الكيان الصهيوني من الانكشاف الدولي:
لقد تآكلت صورة الكيان في الوعي العالمي، وانكشفت جرائمه أمام الشعوب قبل الحكومات.. يريد ترامب وقف الحرب مؤقتاً–لا رحمة بالفلسطينيين– بل لحماية صورة "إسرائيل الوحشية والإرهاب" من مزيد من التشويه، ولمنحها وقتًا لإعادة ترتيب أوراق الردع المنهارة.
2. فصل المسارين الفلسطيني والإيراني:
بعد احتواء التصعيد مع طهران، تحاول واشنطن تفكيك "وحدة الساحات" التي باتت تؤرّق تل أبيب، وفصل النضال الفلسطيني عن الدعم الإقليمي، عبر خنق غزة سياسيًا وتحييد قوى المقاومة.
3. التهدئة مقابل التجويع:
جوهر الخطة الخبيثة يتمثّل في إحياء منطق "السلام الاقتصادي" القديم: أموال مقابل الصمت، ومساعدات مقابل نزع السلاح..فالدمار الهائل في غزة يُستغل كأداة ضغط، لا كنداء للعدالة، ليُفرض على الفلسطينيين خيار الهدنة المشروطة، تحت طائلة الجوع والحصار.
السياق الإقليمي حين يفشل الكيان
الفشل العسكري الإسرائيلي في غزة، وتحديدًا في خان يونس، حيث سقط 20 جنديًا صهيونيًا خلال يونيو الماضي فقط، يفاقم حاجة تل أبيب إلى مخرج يحفظ ماء وجهها وان كان ذلك بصورة مؤقتة ومع تنامي الضغوط الأوروبية والأميركية المناهضة لاستمرار المجازر، تبدو مبادرة ترامب كطوق نجاة للكيان، لا لضحاياه.
أما واشنطن، التي أنهكتها المواجهات المفتوحة من أوكرانيا إلى بحر الصين، فهي تبحث عن تسوية تجمّد النار لا تطفئها، وتسكت العالم لا تُنصف الضحايا.
هدنة مفخخة... أم كرامة بالسلاح؟
ما يطرحه ترامب ليس وقفًا للحرب، بل وقفًا للتقدّم الفلسطيني في معركة الإرادة هو لا يسعى لإنهاء العدوان، بل لإعادة ضبطه بما يخدم مصلحة كلبة المدلل "الكيان الصهيوني"، ويمنحه استراحة محارب يعيد فيها ترتيب جبهاته.
إنها هدنة مفخخة، تُستخدم كأداة تفاوضية، لا كبوابة للعدالة.. والدم الفلسطيني، بدل أن يكون حافزًا للردع، يُختزل إلى مادة للتسويق الدعائي الأميركي.
لا سلام مع القتلة ولا شركاء في الجريمة
في ضوء هذا المشهد الدامي، تتجلّى الحقيقة التي لا تقبل التجميل.. لا يمكن الوثوق بسفاحٍ أو نظامٍ قاتل يؤمن بأن إبادة شعبٍ بأكمله هي "قُربى إلى الرب"، كما تنطق بذلك أدبيات الصهيونية الدينية وخطابات الساسة الأميركيين المعبّأة باللاهوت الاستعماري.
فما دامت واشنطن، بعقلها الجمهوري والديمقراطي على السواء، تؤمن بأن أمن "الكيان الصهيوني" فوق حقوق الشعوب، وأن حياة الفلسطينيين ثمنٌ مقبول لمعادلاتها الدولية، فإن أي حديث عن وساطة أميركية هو جزء من الجريمة، لا طريق إلى الخلاص.
وإذا ما نجح في الترويج لهذه الصورة، فإن النتيجة قد تكون "هدنة مفخخة" تُستخدم كورقة تفاوضية لاحقة، بينما تبقى جذور المأساة قائمة: احتلال، وإبادة وحصار، وإفلات من العقاب.
وعليه، فإن الخيار الواقعي والأخلاقي الوحيد والمجرب تاريخياً في التعامل مع هذا المشروع الأميركي–الصهيوني هو خيار المقاومة المسلحة، لأنها وحدها اللغة التي تفهمها هذه المنظومات المجرمة، وهي الكفيلة بكسر إرادة الاحتلال وردع مشاريع الاستسلام، وفرض معادلات جديدة.
فالبندقية، والقذيفة، والصاروخ، ليست فقط ردًا على الجريمة، بل هي الطريق إلى السلام العادل، والخير الحقيقي، والسعادة الكريمة لكل أبناء الشعب الفلسطيني، ولكل شعوب المنطقة التي أنهكها الاستعمار وورثته.