قائد الثورة : الخوف من عذاب الله حالة إيجابية تُساعد الإنسان على الاستقامة

هذه‭ ‬المحاضرة‭ ‬الخامسة‭ ‬للسيد‭ ‬عبدالملك‭ ‬بدر‭ ‬الدين‭ ‬الحوثي‭.. ‬ولأهمية‭ ‬المحاضرة‭.. ‬تنشر‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬اليمن‮»‬‭ ‬نصها‭:‬

قائد الثورة : الخوف من عذاب الله حالة إيجابية تُساعد الإنسان على الاستقامة

 


أُعُـوْذُ‭ ‬بِاللهِ‭ ‬مِنْ‭ ‬الشَّيْطَان‭ ‬الرَّجِيْمِ

بِـسْـــمِ‭ ‬اللهِ‭ ‬الرَّحْـمَـنِ‭ ‬الرَّحِـيْـمِ

الحمدُ‭ ‬لله‭ ‬رَبِّ‭ ‬العالمين،‭ ‬وأَشهَـدُ‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬إلهَ‭ ‬إلَّا‭ ‬اللهُ‭ ‬الملكُ‭ ‬الحقُّ‭ ‬المُبين،‭ ‬وأشهَدُ‭ ‬أنَّ‭ ‬سيدَنا‭ ‬مُحَمَّــداً‭ ‬عبدُهُ‭ ‬ورَسُــوْلُه‭ ‬خاتمُ‭ ‬النبيين‭.‬

اللّهم‭ ‬صَلِّ‭ ‬على‭ ‬مُحَمَّــدٍ‭ ‬وعلى‭ ‬آلِ‭ ‬مُحَمَّــد،‭ ‬وبارِكْ‭ ‬على‭ ‬مُحَمَّــدٍ‭ ‬وعلى‭ ‬آلِ‭ ‬مُحَمَّــد،‭ ‬كما‭ ‬صَلَّيْتَ‭ ‬وبارَكْتَ‭ ‬على‭ ‬إبراهيمَ‭ ‬وعلى‭ ‬آلِ‭ ‬إبراهيمَ‭ ‬إنك‭ ‬حميدٌ‭ ‬مجيد،‭ ‬وارضَ‭ ‬اللهم‭ ‬برضاك‭ ‬عن‭ ‬أصحابه‭ ‬الأخيار‭ ‬المنتجبين،‭ ‬وعن‭ ‬سائر‭ ‬عبادك‭ ‬الصالحين‭.‬

أيُّها‭ ‬الإخوة‭ ‬والأخوات‭:‬

السَّـلَامُ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬وَرَحْمَةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬وَبَرَكَاتُهُ؛؛؛

وتقبَّل‭ ‬الله‭ ‬منا‭ ‬ومنكم‭ ‬الصيام‭ ‬والقيام‭ ‬وصالح‭ ‬الأعمال‭.‬

اللهم‭ ‬اهدنا‭ ‬وتقبل‭ ‬منا‭ ‬إنك‭ ‬أنت‭ ‬السميع‭ ‬العليم،‭ ‬وتب‭ ‬علينا‭ ‬إنك‭ ‬أنت‭ ‬التواب‭ ‬الرحيم‭.‬

نواصل‭ ‬الحديث‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬الآيات‭ ‬المباركة‭ ‬التي‭ ‬تحدثنا‭ ‬عنها‭ ‬بالأمس،‭ ‬وبعضٍ‭ ‬من‭ ‬الآيات‭ ‬المباركة‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬اليوم‭ ‬الآخر،‭ ‬عن‭ ‬القيامة،‭ ‬عن‭ ‬الحساب،‭ ‬عن‭ ‬الجزاء،‭ ‬عن‭ ‬الجنة‭ ‬والنار،‭ ‬ذلك‭ ‬المستقبل‭ ‬الآتي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ريب‭ ‬فيه،‭ ‬ولا‭ ‬بدَّ‭ ‬منه،‭ ‬والموضوع‭ ‬الرئيسي‭- ‬كما‭ ‬قلنا‭- ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحديث‭ ‬هو‭: ‬العمل،‭ ‬وأهمية‭ ‬العمل،‭ ‬وما‭ ‬سنجازى‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أعمالنا‭.‬

بالأمس‭ ‬تحدثنا‭ ‬عن‭ ‬أهل‭ ‬الجنة،‭ ‬وعما‭ ‬هم‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬النعيم‭ ‬العظيم‭ ‬على‭ ‬ضوء‭ ‬آياتٍ‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وهناك‭ ‬الآيات‭ ‬الكثيرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تلاوة‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬يستفيد‭ ‬الإنسان،‭ ‬ويتأثر،‭ ‬وينشد،‭ ‬ويرغب‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬وفيما‭ ‬وعد‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬ويعي‭ ‬قيمة‭ ‬وأهمية‭ ‬العمل‭ ‬الصالح،‭ ‬قيمة‭ ‬وأهمية‭ ‬ما‭ ‬وجهنا‭ ‬الله‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬ورغَّبنا‭ ‬عليه‭ ‬بذلك‭ ‬الجزاء‭ ‬العظيم،‭ ‬بذلك‭ ‬الثواب‭ ‬العظيم،‭ ‬بذلك‭ ‬الأجر‭ ‬الكبير‭.‬

يتحدث‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬أيضاً‭ ‬وينقل‭ ‬لنا‭ ‬تفاصيل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬المستقبل‭ ‬المهم‭ ‬والخطير‭ ‬والكبير،‭ ‬تتعلق‭ ‬بالذين‭ ‬خسروا،‭ ‬بالذين‭ ‬هلكوا،‭ ‬بالذين‭ ‬كانت‭ ‬أعمالهم‭ ‬السيئة‭ ‬سبباً‭ ‬لهلاكهم‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬القيامة،‭ ‬كان‭ ‬تقصيرهم‭ ‬وتفريطهم‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬العظيمة،‭ ‬والأعمال‭ ‬الصالحة،‭ ‬وما‭ ‬وجَّه‭ ‬الله‭ ‬إليه‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬النجاة‭ ‬والفوز،‭ ‬يتحدث‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬عن‭ ‬أحوالهم‭ ‬لينذرنا؛‭ ‬لأنك‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬واحداً‭ ‬منهم،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أنت‭ ‬أيُّها‭ ‬العزيز،‭ ‬وقد‭ ‬تكوني‭ ‬أنتِ‭ ‬أيَّتها‭ ‬العزيزة،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أي‭ ‬واحدٍ‭ ‬منا‭ ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬الذي‭ ‬يعيش‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬التفاصيل،‭ ‬الذي‭ ‬يخسر،‭ ‬الذي‭ ‬يهلك،‭ ‬الذي‭ ‬يخيب،‭ ‬الذي‭ ‬يكون‭ ‬مصيره‭ ‬إلى‭ ‬جهنم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله‭.‬

إن‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬حينما‭ ‬قدَّم‭ ‬إلينا‭ ‬بالوعيد،‭ ‬وحينما‭ ‬أنذرنا‭ ‬وحذرنا‭ ‬وأخبرنا‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬التفاصيل‭ ‬الرهيبة‭ ‬والمخيفة‭ ‬جداً،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نخاف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نستقيم‭ ‬في‭ ‬أعمالنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نستشعر‭ ‬مسؤوليتنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬نسعى‭ ‬لأن‭ ‬نقي‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬الصالح،‭ ‬وبالالتجاء‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬وبالتوبة‭ ‬والإنابة‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬المعاصي‭ ‬والذنوب‭ ‬نقي‭ ‬أنفسنا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬العذاب‭.‬

في‭ ‬ساحة‭ ‬المحشر‭ ‬وبعد‭ ‬اكتمال‭ ‬الحساب‭ ‬يأتي‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬بتجهيز‭ ‬أهل‭ ‬النار؛‭ ‬لنقلهم‭ ‬إلى‭ ‬النار،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬بعد‭ ‬عملية‭ ‬الفرز،‭ ‬وبعد‭ ‬صدور‭ ‬الحكم‭ ‬الإلهي‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يعقِّب‭ ‬عليه،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يلغيه،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يقدِّم‭ ‬استئنافاً‭ ‬عليه،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬هناك‭ ‬محامٍ‭ ‬بارع،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬وساطات‭ ‬ذات‭ ‬ثقل‭ ‬وتأثير‭ ‬فتلغي‭ ‬حكم‭ ‬الله،‭ ‬فتشطب‭ ‬ما‭ ‬قرره‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬من‭ ‬تفريقٍ‭ ‬بين‭ ‬المحسن‭ ‬والمسيء،‭ ‬وتلغي‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬قدمه‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬من‭ ‬الوعيد،‭ ‬وهو‭ ‬القائل‭: {‬مَا‭ ‬يُبَدَّلُ‭ ‬الْقَوْلُ‭ ‬لَدَيَّ‭}[‬ق‭: ‬من‭ ‬الآية29‭]‬،‭ {‬مَا‭ ‬يُبَدَّلُ‭}‬،‭ ‬أحكام‭ ‬قد‭ ‬صدرت‭ ‬واضحة‭ ‬ومحددة،‭ ‬من‭ ‬تنطبق‭ ‬عليه‭ ‬تلك‭ ‬الأحكام‭ ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬إلغائها‭ ‬بأي‭ ‬وسيلةٍ،‭ ‬بأي‭ ‬طريقةٍ،‭ ‬بأي‭ ‬حيلةٍ،‭ ‬بأي‭ ‬فديةٍ،‭ ‬بأي‭ ‬طريقة‭ ‬أبداً،‭ ‬حالة‭ ‬خطيرة‭ ‬جداً،‭ {‬كُلُّ‭ ‬نَفْسٍ‭ ‬بِمَا‭ ‬كَسَبَتْ‭ ‬رَهِينَةٌ‭}[‬المدثر‭: ‬الآية38‭].‬

عندما‭ ‬يأتي‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬لملائكته‭ ‬وهم‭ ‬الزبانية‭: ‬الشرطة‭ ‬الإلهية‭ ‬المعنية‭ ‬والمتخصصة‭ ‬في‭ ‬نقل‭ ‬أهل‭ ‬النار‭ ‬إلى‭ ‬النار،‭ {‬خُذُوهُ‭} ‬أمرٌ‭ ‬من‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ {‬خُذُوهُ‭ ‬فَغُلُّوهُ‭}[‬الحاقة‭: ‬الآية30‭]‬،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أنت‭ ‬هذا‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬الإلهي‭ ‬بغله،‭ ‬بتقييده‭ ‬بقيود‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬القيود‭ ‬الرهيبة،‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬ستبقى‭ ‬مقيداً‭ ‬بها‭ ‬لا‭ ‬تنفك‭ ‬عنك،‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تتخلص‭ ‬منها‭ ‬وتتحول‭ ‬إلى‭ ‬جزءٍ‭ ‬مستمرٍ‭ ‬من‭ ‬عذابك‭ ‬وآلامك‭ ‬والضيق‭ ‬الذي‭ ‬ستعاني‭ ‬منه‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مستمر،‭ {‬خُذُوهُ‭ ‬فَغُلُّوهُ‭}.‬

‭{‬ثُمَّ‭ ‬فِي‭ ‬سِلْسِلَةٍ‭ ‬ذَرْعُهَا‭ ‬سَبْعُونَ‭ ‬ذِرَاعًا‭ ‬فَاسْلُكُوهُ‭}[‬الحاقة‭: ‬الآية32‭]‬،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬ستغل‭ ‬بها‭ ‬اليدان‭ ‬إلى‭ ‬الرقبة،‭ ‬لا،‭ ‬إنما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬السلاسل‭ ‬التي‭ ‬ستوثق‭ ‬بها،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬الله‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭" ‬قال‭: {‬وَلَا‭ ‬يُوثِقُ‭ ‬وَثَاقَهُ‭ ‬أَحَدٌ‭}[‬الفجر‭: ‬الآية26‭].‬

ولا‭ ‬يستطيع‭ ‬ذلك‭ ‬الجمع‭ ‬الهائل‭ ‬من‭ ‬البشر،‭ ‬وهم‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬سيُذهب‭ ‬بهم‭ ‬إلى‭ ‬جهنم،‭ ‬عند‭ ‬عملية‭ ‬تجميعهم‭ ‬وبداية‭ ‬نقلهم،‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬يحشرون‭ ‬وينقلون‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬سيذهبون‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إلى‭ ‬جهنم،‭ ‬وينقلون‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إلى‭ ‬جهنم،‭ ‬مع‭ ‬كثرتهم‭ ‬الهائلة‭ ‬وحشودهم‭ ‬الكبيرة‭ ‬وجمعهم‭ ‬الغفير،‭ ‬لكنهم‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬أبداً‭ ‬أن‭ ‬يدفعوا‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬يمتنعوا‭ ‬عن‭ ‬الانتقال؛‭ ‬لأنهم‭ ‬في‭ ‬حالةٍ‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬والضعف‭ ‬والاستسلام،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬يقول‭ ‬لهم،‭ ‬قال‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭": {‬وَقِفُوهُمْ‭}‬،‭ ‬أثناء‭ ‬عملية‭ ‬التحريك‭ ‬لهم‭ ‬والنقل‭ ‬لهم،‭ {‬وَقِفُوهُمْ‭ ‬إِنَّهُمْ‭ ‬مَسْئُولُونَ‭}[‬الصافات‭: ‬الآية24‭] ‬سؤالاً‭ ‬واحداً،‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬ما‭ ‬هو؟‭ {‬مَا‭ ‬لَكُمْ‭ ‬لَا‭ ‬تَنَاصَرُونَ‭}[‬الصافات‭: ‬الآية25‭]‬،‭ ‬أنتم‭ ‬في‭ ‬جمعكم‭ ‬الكبير‭ ‬والهائل،‭ ‬أنتم‭ ‬من‭ ‬كنتم‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬تتعاونون‭ ‬على‭ ‬الباطل،‭ ‬وتتناصرون‭ ‬على‭ ‬الباطل،‭ ‬وتتحالفون‭ ‬على‭ ‬الإثم‭ ‬والعدوان،‭ ‬وكنتم‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬تتعصبون‭ ‬لبعضكم‭ ‬البعض،‭ ‬البعض‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬يعتز‭ ‬بجيشه‭ ‬ويمتنع‭ ‬بجيشه،‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬يمتنع‭ ‬بقبيلته،‭ ‬وتتعصب‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الباطل،‭ ‬وتهبّ‭ ‬معه‭ ‬لتقف‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬ظالماً،‭ ‬أو‭ ‬كان‭ ‬مفسداً،‭ ‬أو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬الموقف‭ ‬الخاطئ‭. ‬لا‭ ‬القوم،‭ ‬ولا‭ ‬القبيلة،‭ ‬ولا‭ ‬الجيش،‭ ‬ولا‭ ‬الأمة،‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬انتماء‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬إطار‭ ‬كنت‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬معك،‭ ‬أو‭ ‬يحميك،‭ ‬أو‭ ‬يدفع‭ ‬عنك،‭ ‬التجمعات‭ ‬تلك‭ ‬الحاشدة‭ ‬والهائلة‭ ‬جداً،‭ ‬وهم‭ ‬ينقلونها‭ ‬إلى‭ ‬جهنم‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ ‬لهم‭: {‬مَا‭ ‬لَكُمْ‭ ‬لَا‭ ‬تَنَاصَرُونَ‭}‬،‭ {‬فَإِنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬لَكُمْ‭ ‬كَيْدٌ‭ ‬فَكِيدُونِ‭}[‬المرسلات‭: ‬الآية39‭]‬،‭ ‬أين‭ ‬تلك‭ ‬المخططات،‭ ‬أين‭ ‬تلك‭ ‬المؤامرات،‭ ‬الخطط‭ ‬الرهيبة،‭ ‬الكيد‭ ‬الرهيب‭ ‬الذي‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬كادت‭ ‬تزول‭ ‬منه‭ ‬الجبال،‭ ‬أين‭ ‬هو؟‭ ‬أين‭ ‬أولئك‭ ‬المخططون‭ ‬والبارعون‭ ‬في‭ ‬مكرهم‭ ‬وفي‭ ‬حيلهم‭ ‬أين‭ ‬هم؟‭ ‬أين‭ ‬أصحاب‭ ‬المهارات‭ ‬العسكرية،‭ ‬والقدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬والمعنويات‭ ‬العالية،‭ ‬والشجاعة‭ ‬الكبيرة؟‭ ‬أين‭ ‬أولئك‭ ‬الطغاة‭ ‬والمتجبرون‭ ‬والقساة‭ ‬القلوب؟‭ ‬أين‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬القوة‭ ‬والإمكانات‭ ‬الهائلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بأيديكم‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬تتسلطون‭ ‬بها،‭ ‬وتظلمون‭ ‬بها،‭ ‬وتمتنعون‭ ‬بها،‭ ‬أين‭ ‬ذلك‭ ‬كله؟

‭{‬بَلْ‭ ‬هُمُ‭ ‬الْيَوْمَ‭ ‬مُسْتَسْلِمُونَ‭}[‬الصافات‭: ‬الآية26‭]‬،‭ ‬الكل‭ ‬في‭ ‬حالةٍ‭ ‬من‭ ‬الاستسلام‭ ‬والخضوع‭ ‬التام،‭ ‬والانسياق‭ ‬رغماً‭ ‬عنهم،‭ ‬ينقلون‭ ‬رغماً‭ ‬عنهم،‭ ‬لا‭ ‬ينتقلون‭ ‬برغبتهم،‭ ‬ولا‭ ‬يذهبون‭ ‬إلى‭ ‬نار‭ ‬جهنم‭ ‬باندفاع‭ ‬وتفاعل،‭ ‬وخطوات‭ ‬يتقدمون‭ ‬بها‭ ‬بلا‭ ‬اكتراثٍ‭ ‬ولا‭ ‬مبالاة،‭ ‬لا،‭ ‬الله‭ ‬يقول‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭" ‬عن‭ ‬عملية‭ ‬نقلهم‭ ‬عن‭ ‬أنها‭ ‬إجبارية‭ ‬رغماً‭ ‬عنهم‭.‬

كان‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬يتثاقلون‭ ‬ولا‭ ‬يخطون‭ ‬الخطوات‭ ‬فيما‭ ‬هو‭ ‬رضا‭ ‬لله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬فيما‭ ‬فيه‭ ‬نجاتهم‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله،‭ ‬فيما‭ ‬فيه‭ ‬الخير‭ ‬لهم،‭ ‬الخطوات‭ ‬التي‭ ‬تكتب‭ ‬لك‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬أجر‭ ‬وحسنة،‭ {‬وَلَا‭ ‬يَقْطَعُونَ‭ ‬وَادِيًا‭ ‬إِلَّا‭ ‬كُتِبَ‭ ‬لَهُمْ‭}[‬التوبة‭: ‬من‭ ‬الآية121‭]‬،‭ ‬في‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬لك‭ ‬عليها‭ ‬أجر‭ ‬وثواب،‭ ‬فيتثاقلون،‭ ‬في‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة‭ ‬يتثاقلون‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬حسنة‭.‬

هناك‭ ‬ينقلون‭ ‬رغماً‭ ‬عنهم،‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭": {‬يَوْمَ‭ ‬يُدَعُّونَ‭ ‬إِلَى‭ ‬نَارِ‭ ‬جَهَنَّمَ‭ ‬دَعًّا‭}[‬الطور‭: ‬الآية13‭]‬،‭ ‬يدفعون‭ ‬دفعاً‭ ‬رغماً‭ ‬عنهم،‭ ‬ويجبرون‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬وينقلون‭ ‬برغم‭ ‬أنوفهم،‭ {‬فَيُؤْخَذُ‭ ‬بِالنَّوَاصِي‭ ‬وَالْأَقْدَامِ‭}[‬الرحمن‭: ‬من‭ ‬الآية41‭]‬،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يسحب‭ ‬ويؤخذ‭ ‬برأسه،‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬يسحب‭ ‬بقدميه‭ ‬ويدفع‭ ‬دفعاً،‭ ‬وينقل‭ ‬نقلاً‭ ‬إجبارياً‭ ‬وهكذا،‭ ‬حتى‭ ‬يصلوا‭ ‬إلى‭ ‬شفير‭ ‬جهنم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬اللحظات‭ ‬الرهيبة‭ ‬جداً‭ ‬جداً‭ ‬جداً،‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬شفير‭ ‬جهنم‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ثبت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬المحشر،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬رآه‭ ‬هو‭ ‬بنفسه‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬أعماله،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ثبت‭ ‬عليه‭ ‬بالشهود،‭ ‬هناك‭ ‬يحاول‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬أن‭ ‬ينكر،‭ ‬ولكن‭ ‬تأتي‭ ‬الاثباتات‭ ‬الدامغة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬معها‭ ‬أن‭ ‬يكابر‭ ‬أبداً‭.‬

‭{‬حَتَّى‭ ‬إِذَا‭ ‬مَا‭ ‬جَاءُوهَا‭}‬،‭ ‬فإذا‭ ‬وصلوا‭ ‬إلى‭ ‬شفير‭ ‬جهنم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ {‬شَهِدَ‭ ‬عَلَيْهِمْ‭ ‬سَمْعُهُمْ‭ ‬وَأَبْصَارُهُمْ‭ ‬وَجُلُودُهُمْ‭ ‬بِمَا‭ ‬كَانُوا‭ ‬يَعْمَلُونَ‭}[‬فصلت‭: ‬الآية20‭]‬،‭ ‬يُشهِد‭ ‬الله‭ ‬عليهم‭ ‬من‭ ‬حواسهم‭: ‬السمع‭ ‬والبصر،‭ ‬وتشهد‭ ‬عليهم‭ ‬جلودهم،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للإنسان‭ ‬بعدها‭ ‬أن‭ ‬يكابر‭ ‬أبداً،‭ ‬شهد‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬جلده،‭ ‬يندهشون،‭ ‬يتفاجؤون‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬ويصل‭ ‬بهم‭ ‬الاندهاش‭ ‬والتفاجؤ‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬شهادة‭ ‬حتى‭ ‬جلودهم‭ ‬عليهم‭ ‬أن‭ ‬يوبخوا‭ ‬جلودهم،‭ ‬وأن‭ ‬يعاتبوها،‭ {‬وَقَالُوا‭ ‬لِجُلُودِهِمْ‭ ‬لِمَ‭ ‬شَهِدْتُمْ‭ ‬عَلَيْنَا‭}‬؛‭ ‬لأنها‭ ‬شهادة‭ ‬لم‭ ‬يملكوا‭ ‬بعدها‭ ‬أن‭ ‬يكابروا‭ ‬أبداً،‭ ‬لم‭ ‬يبق‭ ‬لهم‭ ‬ما‭ ‬يقولون‭ ‬بعدها‭ ‬أبداً،‭ {‬لِمَ‭ ‬شَهِدْتُمْ‭ ‬عَلَيْنَا‭}‬،‭ ‬تجيبهم‭ ‬جلودهم،‭ ‬فماذا‭ ‬تقول‭ ‬لهم؟‭ {‬قَالُوا‭ ‬أَنْطَقَنَا‭ ‬اللَّهُ‭ ‬الَّذِي‭ ‬أَنْطَقَ‭ ‬كُلَّ‭ ‬شَيْءٍ‭ ‬وَهُوَ‭ ‬خَلَقَكُمْ‭ ‬أَوَّلَ‭ ‬مَرَّةٍ‭ ‬وَإِلَيْهِ‭ ‬تُرْجَعُونَ‭ (‬21‭) ‬وَمَا‭ ‬كُنْتُمْ‭ ‬تَسْتَتِرُونَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يَشْهَدَ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬سَمْعُكُمْ‭}‬،‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬تتوقع‭ ‬هذا،‭ ‬ولا‭ ‬كنت‭ ‬تملك‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬أن‭ ‬تستتر،‭ ‬قد‭ ‬تستتر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬لارتكاب‭ ‬بعضٍ‭ ‬من‭ ‬المعاصي‭ ‬في‭ ‬غرفةٍ‭ ‬مغلقة،‭ ‬قد‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬مكانٍ‭ ‬لتختفي‭ ‬فيه‭ ‬فلا‭ ‬يراك‭ ‬الناس،‭ ‬قد‭ ‬تستتر‭ ‬بأي‭ ‬وسيلةٍ‭ ‬من‭ ‬الوسائل،‭ ‬قد‭ ‬تختفي،‭ ‬قد‭ ‬تختلي،‭ ‬لكن‭ ‬سمعك‭ ‬ولكن‭ ‬بصرك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬منه،‭ ‬هي‭ ‬حواسك‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬مركبةٌ‭ ‬فيك،‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬جلدك‭ ‬،‭ {‬وَمَا‭ ‬كُنْتُمْ‭ ‬تَسْتَتِرُونَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يَشْهَدَ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬سَمْعُكُمْ‭ ‬وَلَا‭ ‬أَبْصَارُكُمْ‭ ‬وَلَا‭ ‬جُلُودُكُمْ‭}‬،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستتر‭ ‬من‭ ‬جلدك؟‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تختفي‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يراك‭ ‬جلدك،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يوثق‭ ‬عليك‭ ‬ما‭ ‬تعمل؟‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ‭ ‬موثق‭ ‬بدقة،‭ ‬الإثباتات‭ ‬والشهود‭ ‬مع‭ ‬رقابة‭ ‬الله،‭ ‬ورقابة‭ ‬الله‭ ‬فوق‭ ‬كل‭ ‬شيء؛‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬توسوس‭ ‬به‭ ‬نفسك،‭ {‬عَلِيمٌ‭ ‬بِذَاتِ‭ ‬الصُّدُورِ‭}‬،‭ {‬يَعْلَمُ‭ ‬خَائِنَةَ‭ ‬الْأَعْيُنِ‭ ‬وَمَا‭ ‬تُخْفِي‭ ‬الصُّدُورُ‭}[‬غافر‭: ‬من‭ ‬الآية‭ ‬19‭]‬،‭ ‬يعلم‭ ‬ذلك‭ ‬بكله،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً‭ {‬وَمَا‭ ‬كُنْتُمْ‭ ‬تَسْتَتِرُونَ‭ ‬أَنْ‭ ‬يَشْهَدَ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬سَمْعُكُمْ‭ ‬وَلَا‭ ‬أَبْصَارُكُمْ‭ ‬وَلَا‭ ‬جُلُودُكُمْ‭}[‬فصلت‭: ‬الآية21‭]‬،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الإنسان‭ ‬بعدها‭ ‬أن‭ ‬يكابر،‭ ‬حينما‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬شفير‭ ‬جهنم،‭ ‬وإلى‭ ‬أبواب‭ ‬جهنم،‭ ‬وهي‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬عنها‭: {‬لَهَا‭ ‬سَبْعَةُ‭ ‬أَبْوَابٍ‭ ‬لِكُلِّ‭ ‬بَابٍ‭ ‬مِنْهُمْ‭ ‬جُزْءٌ‭ ‬مَقْسُومٌ‭}[‬الحجر‭: ‬الآية44‭]‬،‭ ‬وهم‭ ‬موزعون‭ ‬بحسب‭ ‬جرائمهم‭ ‬وجناياتهم‭ ‬وتفريطهم‭ ‬وعصيانهم‭ ‬إلى‭ ‬دركات‭ ‬جهنم،‭ ‬فالجنة‭ ‬درجات،‭ ‬وجهنم‭ ‬دركات‭.‬

الدرك‭ ‬الأسفل‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬لمن‭ ‬هو،‭ ‬هناك‭ ‬فئة‭ ‬ممن‭ ‬يعذبون‭ ‬في‭ ‬الدرك‭ ‬الأسفل‭ ‬من‭ ‬النار،‭ ‬في‭ ‬أشدها‭ ‬عذاباً،‭ ‬في‭ ‬أشدها‭ ‬ألماً،‭ ‬هم‭ ‬المنافقون،‭ ‬الله‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭" ‬قال‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭: {‬إِنَّ‭ ‬الْمُنَافِقِينَ‭ ‬فِي‭ ‬الدَّرْكِ‭ ‬الْأَسْفَلِ‭ ‬مِنَ‭ ‬النَّارِ‭ ‬وَلَنْ‭ ‬تَجِدَ‭ ‬لَهُمْ‭ ‬نَصِيرًا‭}[‬النساء‭: ‬الآية145‭]‬،‭ ‬والمنافق‭ ‬ينتمي‭ ‬للإسلام،‭ ‬ويصلي‭ ‬ويصوم،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المسلمين،‭ ‬يعيش‭ ‬فيما‭ ‬بينهم،‭ ‬وبطاقته‭ ‬إذا‭ ‬معه‭ ‬بطاقة،‭ ‬وهويته‭ ‬إذا‭ ‬معه‭ ‬هوية‭ ‬معينة‭ ‬جواز‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬سيكون‭ ‬دينه‭ ‬مسلماً،‭ {‬نَشْهَدُ‭ ‬إِنَّكَ‭ ‬لَرَسُولُ‭ ‬اللَّهِ‭}[‬المنافقون‭: ‬من‭ ‬الآية1‭]‬،‭ ‬كانوا‭ ‬يقولون‭ ‬هكذا،‭ ‬الله‭ ‬يقول‭ ‬عنهم‭: {‬إِنَّ‭ ‬الْمُنَافِقِينَ‭ ‬فِي‭ ‬الدَّرْكِ‭ ‬الْأَسْفَلِ‭ ‬مِنَ‭ ‬النَّارِ‭}‬،‭ ‬في‭ ‬أشد‭ ‬موضعٍ‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬عذاباً‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله‭.‬

ولاحظوا‭ ‬كيف‭ ‬يندهش‭ ‬خزنة‭ ‬جهنم،‭ ‬الملائكة‭ ‬الموكلون‭ ‬بعذاب‭ ‬أهل‭ ‬النار‭ ‬في‭ ‬النار،‭ ‬عندما‭ ‬تصل‭ ‬تلك‭ ‬الحشود‭ ‬الهائلة‭ ‬والمجاميع‭ ‬الكبيرة،‭ ‬والأفواج‭ ‬الكثيرة‭ ‬العدد‭ (‬بالمليارات‭ ‬من‭ ‬البشر‭)‬،‭ ‬عندما‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬شفير‭ ‬جهنم،‭ ‬يندهش‭ ‬الملائكة‭ ‬هناك،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬الاستقبال‭ ‬بالتكريم،‭ ‬والاستقبال‭ ‬الإيجابي،‭ ‬ولكنه‭ ‬التوبيخ،‭ {‬حَتَّى‭ ‬إِذَا‭ ‬جَاءُوهَا‭ ‬فُتِحَتْ‭ ‬أَبْوَابُهَا‭} ‬والعياذ‭ ‬بالله‭! ‬فتحت‭ ‬تلك‭ ‬الأبواب‭ ‬السبعة،‭ ‬الأبواب‭ ‬الهائلة،‭ ‬الأبواب‭ ‬الجهنمية،‭ {‬فُتِحَتْ‭ ‬أَبْوَابُهَا‭ ‬وَقَالَ‭ ‬لَهُمْ‭ ‬خَزَنَتُهَا‭} ‬وهم‭ ‬يندهشون‭ ‬من‭ ‬كثرتهم،‭ ‬من‭ ‬أعدادهم‭ ‬الهائلة‭ ‬جداً،‭ {‬أَلَمْ‭ ‬يَأْتِكُمْ‭ ‬رُسُلٌ‭ ‬مِنْكُمْ‭ ‬يَتْلُونَ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬آيَاتِ‭ ‬رَبِّكُمْ‭ ‬وَيُنْذِرُونَكُمْ‭ ‬لِقَاءَ‭ ‬يَوْمِكُمْ‭ ‬هَذَا‭ ‬قَالُوا‭ ‬بَلَى‭}[‬الزمر‭: ‬من‭ ‬الآية71‭]‬،‭ ‬قد‭ ‬أتت‭ ‬الرسل،‭ ‬وأتى‭ ‬النذير‭ ‬بلقاء‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬أتى‭ ‬التحذير‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬اليوم،‭ ‬أتت‭ ‬حتى‭ ‬تفاصيل،‭ ‬حتى‭ ‬هذا‭ ‬التفصيل،‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة،‭ ‬ربما‭ ‬البعض‭ ‬يتأمل،‭ ‬يتذكر‭ ‬أنه‭ ‬قد‭ ‬عرف‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬وقد‭ ‬سمع‭ ‬بهذا‭ ‬المشهد‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الدنيا،‭ ‬نقلت‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬القرآن‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬وأمامه‭ ‬الفرصة‭ ‬الكافية‭ ‬ليتلافى‭ ‬نفسه‭ ‬وتقصيره،‭ ‬وليعمل‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬فيه‭ ‬نجاته‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬الرهيبة‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬المستقبل‭ ‬الرهيب‭ ‬جداً‭ ‬والعذاب‭ ‬العظيم،‭ {‬قَالُوا‭ ‬بَلَى‭}‬،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً‭ ‬هناك‭.‬

وعندما‭ ‬تفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬هل‭ ‬سيتزاحمون‭ ‬على‭ ‬الدخول‭ ‬وهم‭ ‬يندفعون‭ ‬كلٌ‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬هو‭ ‬الأول،‭ ‬لا؛‭ ‬إنما‭ ‬يلقى‭ ‬بهم‭ ‬إلقاءً‭ ‬داخل‭ ‬جهنم،‭ ‬تأخذهم‭ ‬الملائكة‭ ‬وتدفعهم‭ ‬وتلقيهم‭ ‬إلقاءً،‭ {‬كُلَّمَا‭ ‬أُلْقِيَ‭ ‬فِيهَا‭ ‬فَوْجٌ‭ ‬سَأَلَهُمْ‭ ‬خَزَنَتُهَا‭ ‬أَلَمْ‭ ‬يَأْتِكُمْ‭ ‬نَذِيرٌ‭}[‬الملك‭: ‬من‭ ‬الآية8‭]‬،‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬عندما‭ ‬يلقى‭ ‬إلى‭ ‬جهنم،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬حال‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬يلقى‭ ‬إلى‭ ‬جهنم؟‭! ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬خوفك‭ ‬وقلقك‭ ‬واضطرابك‭ ‬النفسي‭ ‬لو‭ ‬تلقى‭ ‬في‭ ‬فرن‭ ‬من‭ ‬الأفران‭ ‬العادية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا،‭ ‬وهم‭ ‬يأخذونك‭ ‬قسراً‭ ‬وإجباراً‭ ‬ويريدون‭ ‬أن‭ ‬يدخلوك‭ ‬فيه،‭ ‬وأن‭ ‬يحنذوك‭ ‬فيه،‭ ‬وأن‭ ‬يصلوك‭ ‬فيه،‭ ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬رعبك‭ ‬وقلقك‭ ‬وخوفك؟‭! ‬أمر‭ ‬رهيب؛‭ ‬أما‭ ‬جهنم‭ ‬فهي‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬الأكبر،‭ ‬العذاب‭ ‬الشديد،‭ ‬العذاب‭ ‬المهيل،‭ ‬النار‭ ‬قال‭ ‬عنها‭ ‬الله‭: {‬إِذَا‭ ‬رَأَتْهُمْ‭ ‬مِنْ‭ ‬مَكَانٍ‭ ‬بَعِيدٍ‭ ‬سَمِعُوا‭ ‬لَهَا‭ ‬تَغَيُّظًا‭ ‬وَزَفِيرًا‭}[‬الفرقان‭: ‬الآية12‭]‬؛‭ ‬أما‭ ‬وقد‭ ‬وصلوا‭ ‬إليها‭ ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬أصوات‭ ‬استعار‭ ‬نيرانها؟‭! ‬كيف‭ ‬هو‭ ‬القصيف‭ ‬الهائل؟‭! ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬الأصوات‭ ‬الرهيبة‭ ‬جداً‭ ‬والشهيق‭ ‬والزفير‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أصواتها‭ ‬المخيفة‭ ‬جداً،‭ ‬حتى‭ ‬الأصوات‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬أصوات‭ ‬مرعبة‭ ‬جداً‭ ‬ومخيفة‭ ‬للغاية،‭ ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬مشاهد‭ ‬استعار‭ ‬النيران‭ ‬فيها‭ ‬والدخان‭ ‬الهائل،‭ ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬المشاهد‭ ‬للشرر‭ ‬الذي‭ ‬يتطاير‭ ‬وهو‭ ‬كالقصر،‭ ‬شرر‭ (‬كتل‭ ‬هائلة‭ ‬جداً‭) ‬تتطاير‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬التوقد‭ ‬والاستعار‭ ‬داخل‭ ‬جهنم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله‭! ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬مشاهد‭ ‬الحميم‭ ‬الذي‭ ‬يسيل‭ ‬فيها‭ ‬ودياناً‭ ‬وأنهاراً،‭ ‬شيءٌ‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬الصديد،‭ ‬شيءٌ‭ ‬منها‭ ‬من‭ ‬الحميم‭ ‬الذي‭ ‬يغلي،‭ ‬كلها‭ ‬مشاهد‭ ‬رهيبة‭ ‬ومهولة‭.‬

الإنسان‭ ‬عند‭ ‬إدخاله‭ ‬إليها‭ ‬وعند‭ ‬إلقائه‭ ‬فيها‭ ‬كيف‭ ‬ستكون‭ ‬آلامه‭ ‬وحسرته،‭ ‬يتذكر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أنذر،‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬حُذِّر،‭ ‬آيات‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬التي‭ ‬أنذرته‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المواقف‭ ‬موقفاً‭ ‬بموقف‭ ‬ومرحلةً‭ ‬بمرحلة،‭ ‬ولهذا‭ ‬ماذا‭ ‬يقولون‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬بعد‭ ‬إلقائهم‭ ‬إلى‭ ‬جهنم،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الخوف،‭ ‬والألم‭ ‬الشديد،‭ ‬والرعب‭ ‬الشديد،‭ ‬والعناء‭ ‬الشديد،‭ ‬والألم‭ ‬الشديد؟‭ {‬وَقَالُوا‭ ‬لَوْ‭ ‬كُنَّا‭ ‬نَسْمَعُ‭ ‬أَوْ‭ ‬نَعْقِلُ‭ ‬مَا‭ ‬كُنَّا‭ ‬فِي‭ ‬أَصْحَابِ‭ ‬السَّعِيرِ‭}[‬الملك‭: ‬الآية10‭]‬،‭ ‬لو‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬نسمع،‭ ‬نسمع‭ ‬آيات‭ ‬الله،‭ ‬نسمع‭ ‬النذير،‭ ‬نسمع‭ ‬الذكرى،‭ ‬نسمع‭ ‬الموعظة،‭ ‬فالبعض‭ ‬حتى‭ ‬أثناء‭ ‬الاستماع،‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬يستمع‭ ‬المحاضرة،‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬المسجد،‭ ‬حتى‭ ‬وهو‭ ‬يقرأ‭ ‬القرآن‭ ‬لا‭ ‬يعطي‭ ‬نفسه‭ ‬حتى‭ ‬فرصة‭ ‬التركيز‭ ‬والإصغاء،‭ ‬والاستماع‭ ‬النافع‭ ‬الذي‭ ‬يتأثر‭ ‬به،‭ ‬ويتذكر‭ ‬به،‭ ‬وينتفع‭ ‬به‭.‬

الله‭ ‬يقول‭ ‬عمَّا‭ ‬قدَّم‭ ‬من‭ ‬النذر‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭: {‬إِنَّ‭ ‬فِي‭ ‬ذَلِكَ‭ ‬لَذِكْرَى‭ ‬لِمَنْ‭ ‬كَانَ‭ ‬لَهُ‭ ‬قَلْبٌ‭ ‬أَوْ‭ ‬أَلْقَى‭ ‬السَّمْعَ‭ ‬وَهُوَ‭ ‬شَهِيدٌ‭}[‬ق‭: ‬الآية37‭]‬،‭ ‬من‭ ‬يلقي‭ ‬السمع‭ ‬وهو‭ ‬حاضرٌ‭ ‬بلبه،‭ ‬بذهنه،‭ ‬بتركيزه،‭ ‬يصغي،‭ ‬يستوعب،‭ ‬يتفهم؛‭ ‬أما‭ ‬الذي‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬ذُكِّر،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬تليت‭ ‬عليه‭ ‬آيات‭ ‬الله،‭ ‬حتى‭ ‬إذا‭ ‬قرئ‭ ‬عليه‭ ‬القرآن،‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬الموعظة‭ ‬والذكرى،‭ ‬لا‭ ‬يركز،‭ ‬لا‭ ‬يلتفت،‭ ‬لا‭ ‬يصغي،‭ ‬لا‭ ‬يسمع،‭ ‬لا‭ ‬يتفهم؛‭ ‬لا‭ ‬ينتفع‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬ولا‭ ‬يستفيد،‭ ‬يبقى‭ ‬قلبه‭ ‬قاسياً،‭ ‬ويبقى‭ ‬لاهياً،‭ ‬ويبقى‭ ‬غافلاً،‭ ‬ويبقى‭ ‬مستهتراً،‭ ‬ويبقى‭ ‬متهاوناً،‭ ‬ويبقى‭ ‬جريئاً‭ ‬على‭ ‬مخالفة‭ ‬توجيهات‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬يبقى‭ ‬متكاسلاً‭ ‬عن‭ ‬الأعمال‭ ‬المهمة‭ ‬والعظيمة‭ ‬والصالحة‭ ‬والمفيدة‭.‬

‭{‬وَقَالُوا‭ ‬لَوْ‭ ‬كُنَّا‭ ‬نَسْمَعُ‭ ‬أَوْ‭ ‬نَعْقِلُ‭ ‬مَا‭ ‬كُنَّا‭ ‬فِي‭ ‬أَصْحَابِ‭ ‬السَّعِيرِ‭ (‬10‭) ‬فَاعْتَرَفُوا‭ ‬بِذَنْبِهِمْ‭} [‬الملك‭ : ‬10‭-‬11‭]‬،‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬مشكلتهم،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬ذنبهم‭ ‬الكبير‭ ‬الذي‭ ‬تفرعت‭ ‬عنه‭ ‬سائر‭ ‬الذنوب‭: ‬غفلة،‭ ‬عدم‭ ‬التفات‭ ‬إلى‭ ‬النذير،‭ ‬عدم‭ ‬التفات‭ ‬إلى‭ ‬الذكرى،‭ ‬فاعترفوا‭ ‬بذنبهم،‭ ‬وهل‭ ‬يفيدهم‭ ‬هذا‭ ‬الاعتراف؟‭ ‬هل‭ ‬سيقال‭ ‬لهم‭: [‬جيد،‭ ‬بما‭ ‬أنكم‭ ‬اعترفتم‭ ‬بذنبكم‭ ‬ستقدم‭ ‬لكم‭ ‬تخفيفات‭ ‬في‭ ‬العقوبات‭]‬،‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬قد‭ ‬تقول‭ ‬لك‭ ‬الشرطة‭: [‬إذا‭ ‬اعترفت‭ ‬وتعاونت‭ ‬ستخفف‭ ‬عليك‭ ‬الإجراءات‭ ‬العقابية‭]. ‬هناك‭ ‬لا،‭ {‬فَاعْتَرَفُوا‭ ‬بِذَنْبِهِمْ‭ ‬فَسُحْقًا‭ ‬لِأَصْحَابِ‭ ‬السَّعِيرِ‭}[‬الملك‭: ‬الآية11‭]‬،‭ ‬سحقاً‭ ‬لهم‭ ‬وبعداً‭ ‬لهم،‭ ‬استمراراً‭ ‬فيما‭ ‬هم‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬العذاب،‭ ‬وضياعاً‭ ‬فيما‭ ‬هم‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬العذاب‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬لا‭ ‬رحمة‭ ‬بهم‭ ‬أبداً،‭ ‬ولا‭ ‬ذرة‭ ‬من‭ ‬الرحمة‭.‬

كانت‭ ‬الرحمة‭ ‬تعرض‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬فلم‭ ‬يقبلوها،‭ ‬أتت‭ ‬رحمة‭ ‬الله،‭ ‬قرآنه‭ ‬رحمة،‭ ‬هدايته‭ ‬رحمة،‭ ‬توجيهاته‭ ‬رحمة،‭ ‬ومستقر‭ ‬رحمته‭ ‬هي‭ ‬الجنة،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقبلوا،‭ ‬لم‭ ‬يلتفتوا،‭ ‬استهتروا‭ ‬وتهاونوا؛‭ ‬خسروا‭.‬

في‭ ‬نار‭ ‬جهنم‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ‭ ‬عذاب،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الملابس،‭ ‬في‭ ‬كثيرٍ‭ ‬من‭ ‬الدنيا‭ ‬إذا‭ ‬دخل‭ ‬الإنسان‭ ‬السجن‭ ‬هناك‭ ‬ملابس‭ ‬مخصصة‭ ‬للسجن،‭ ‬فما‭ ‬هي‭ ‬الملابس‭ ‬المخصصة‭ ‬في‭ ‬نار‭ ‬جهنم؟‭ ‬حتى‭ ‬الملابس‭ ‬من‭ ‬النيران،‭ ‬ومفصلة‭ ‬تفصيلاً‭ ‬كاملاً‭ ‬على‭ ‬الإنسان،‭ ‬ربما‭ ‬الله‭ ‬أعلم‭ ‬كم‭ ‬هي‭ ‬الأنواع؟‭ ‬هل‭ ‬شيءٌ‭ ‬منها‭ ‬سيفصل‭ ‬ليقوم‭ ‬مقام‭ ‬البنطلون‭ ‬والقميص؟‭ ‬أم‭ ‬مقام‭ ‬الثوب‭... ‬أو‭ ‬أي‭ ‬شكل؟‭ ‬الحالة‭ ‬هي‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭": {‬قُطِّعَتْ‭ ‬لَهُمْ‭ ‬ثِيَابٌ‭ ‬مِنْ‭ ‬نَارٍ‭}[‬الحج‭: ‬من‭ ‬الآية19‭]‬،‭ ‬تفصيلٌ‭ ‬عليهم‭ ‬بالكامل‭ ‬نيران،‭ ‬يبقى‭ ‬عليك‭ ‬هذا‭ ‬الثوب‭ ‬الناري‭ ‬المباشر‭ ‬بحرارته‭ ‬لجسمك‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مستمر‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬الله‭ ‬أعلم‭ ‬كيف‭ ‬سيكون‭ ‬شكل‭ ‬ذلك‭ ‬الثوب‭ ‬الناري‭ ‬المفصل‭ ‬عليك،‭ ‬والمقطع‭ ‬والمفصل‭ ‬بما‭ ‬يكون‭ ‬عليك‭ ‬تماماً‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله‭.‬

الطعام‭ ‬عذاب،‭ ‬شجرة‭ ‬الزقوم‭ ‬التي‭ ‬تغلي‭ ‬في‭ ‬البطون‭ ‬كغلي‭ ‬الحميم،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬لا‭ ‬تشبع،‭ {‬فَإِنَّهُمْ‭ ‬لَآكِلُونَ‭ ‬مِنْهَا‭}[‬الصافات‭: ‬من‭ ‬الآية66‭]‬،‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الجوع،‭ {‬فَإِنَّهُمْ‭ ‬لَآكِلُونَ‭ ‬مِنْهَا‭ ‬فَمَالِئُونَ‭ ‬مِنْهَا‭ ‬الْبُطُونَ‭}[‬الصافات‭: ‬الآية66‭]‬،‭ ‬يأكلون‭ ‬ويأكلون‭ ‬ويأكلون‭ ‬ولا‭ ‬يحسون‭ ‬بالشبع،‭ ‬يبقى‭ ‬عذاب‭ ‬الجوع‭ ‬مستمراً‭ ‬حتى‭ ‬تمتلئ‭ ‬بطونهم‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الثمرة‭ ‬التي‭ ‬تغلي‭ ‬في‭ ‬البطون‭ ‬كغلي‭ ‬الحميم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬حرارة‭ ‬شديدة‭ ‬جداً،‭ ‬وقت‭ ‬أكلها،‭ ‬عندما‭ ‬تتناولها،‭ ‬كيف‭ ‬هي‭ ‬حرارتها‭ ‬في‭ ‬فمك،‭ ‬كيف‭ ‬حرارتها‭ ‬وهي‭ ‬تنزل‭ ‬إلى‭ ‬بطنك،‭ ‬ثم‭ ‬حرارتها‭ ‬في‭ ‬بطنك‭ ‬وهي‭ ‬تغلي‭ ‬في‭ ‬بطنك‭ ‬كغلي‭ ‬الحميم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله‭.‬

‭{‬ثُمَّ‭ ‬إِنَّ‭ ‬لَهُمْ‭ ‬عَلَيْهَا‭ ‬لَشَوْبًا‭ ‬مِنْ‭ ‬حَمِيمٍ‭}[‬الصافات‭: ‬الآية67‭]‬،‭ ‬الذي‭ ‬سيشربونه‭ ‬عليها‭ ‬بدلاً‭ ‬عن‭ ‬العصير،‭ ‬بدلاً‭ ‬عن‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية،‭ ‬بدلاً‭ ‬عن‭ ‬المياه‭ ‬المعدنية،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ‭ ‬عذاب،‭ ‬الشراب‭ ‬قال‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭": {‬وَإِنْ‭ ‬يَسْتَغِيثُوا‭ ‬يُغَاثُوا‭ ‬بِمَاءٍ‭ ‬كَالْمُهْلِ‭ ‬يَشْوِي‭ ‬الْوُجُوهَ‭ ‬بِئْسَ‭ ‬الشَّرَابُ‭ ‬وَسَاءَتْ‭ ‬مُرْتَفَقًا‭}[‬الكهف‭: ‬من‭ ‬الآية29‭]‬،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬ما‭ ‬أشد‭ ‬العطش‭ ‬في‭ ‬جهنم،‭ ‬من‭ ‬أشد‭ ‬أنواع‭ ‬العذاب‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬هو‭ ‬العطش،‭ ‬وعطشٌ‭ ‬لا‭ ‬يرويك‭ ‬منه‭ ‬أي‭ ‬شيءٍ‭ ‬من‭ ‬شراب‭ ‬جهنم،‭ ‬لا‭ ‬ذلك‭ ‬الحميم‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬كالمهل،‭ ‬ليس‭ ‬ماءً‭ ‬نقياً،‭ ‬وليس‭ ‬حتى‭ ‬حميماً‭ ‬نقياً،‭ ‬ولكنه‭ {‬كَالْمُهْلِ‭}: ‬كحثالة‭ ‬الزيت‭ ‬في‭ ‬مذاقه،‭ ‬في‭ ‬شكله،‭ ‬في‭ ‬حرارته‭ ‬البالغة،‭ ‬حرارة‭ ‬شديدة‭ ‬جداً،‭ ‬تصل‭ ‬درجة‭ ‬الحرارة‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يشتوي‭ ‬منه‭ ‬وجهك‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬إليك‭ ‬لتشرب،‭ ‬كيف‭ ‬حرارته‭ ‬في‭ ‬فمك،‭ ‬كيف‭ ‬حرارته‭ ‬في‭ ‬رقبتك،‭ ‬كيف‭ ‬حرارته‭ ‬في‭ ‬أمعائك،‭ {‬وَسُقُوا‭ ‬مَاءً‭ ‬حَمِيمًا‭ ‬فَقَطَّعَ‭ ‬أَمْعَاءَهُمْ‭}[‬محمد‭: ‬من‭ ‬الآية15‭]‬،‭ ‬يقطع‭ ‬الأمعاء‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الحرارة،‭ ‬وآلام‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬كل‭ ‬شيءٍ‭ ‬يرافقه‭ ‬من‭ ‬الآلام‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يكفي‭ ‬لقتلك،‭ ‬ولموتك،‭ ‬ولهلاكك‭ ‬لو‭ ‬بقي‭ ‬موت،‭ ‬آلام‭ ‬شديدة‭ ‬جداً،‭ ‬تأكل‭ ‬وأنت‭ ‬تشعر‭ ‬بالآلام‭ ‬الشديدة،‭ ‬آلام‭ ‬شديدة‭ ‬جداً،‭ ‬تشرب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الحميم‭ ‬تشرب‭ ‬الصديد،‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭": {‬يَتَجَرَّعُهُ‭ ‬وَلَا‭ ‬يَكَادُ‭ ‬يُسِيغُهُ‭ ‬وَيَأْتِيهِ‭ ‬الْمَوْتُ‭ ‬مِنْ‭ ‬كُلِّ‭ ‬مَكَانٍ‭ ‬وَمَا‭ ‬هُوَ‭ ‬بِمَيِّتٍ‭}[‬إبراهيم‭: ‬من‭ ‬الآية17‭]‬،‭ ‬كل‭ ‬جرعة‭ ‬كانت‭ ‬تكفي‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬قاتلة،‭ ‬كانت‭ ‬تكفي‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬مميتة،‭ ‬كل‭ ‬جرعة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الصديد‭ ‬القذر،‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬مع‭ ‬قذارته‭ ‬ونتنه‭ ‬ومذاقه‭ ‬البشع‭ ‬جداً،‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الحرارة‭ ‬والشدة،‭ ‬فرائحته‭ ‬قذرة‭ ‬ونتنة‭ ‬جداً،‭ ‬ومذاقه‭ ‬قذرٌ،‭ ‬وشكله‭ ‬قذرٌ،‭ ‬وحرارته‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً‭ ‬ومميتة‭ ‬لو‭ ‬بقي‭ ‬موت،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬موت،‭ ‬وجرعة‭ ‬بعد‭ ‬جرعة،‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بعذاب،‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬حركة‭ ‬والنقل‭ ‬لأشياء‭ ‬كثيرة‭ ‬أنواع‭ ‬وأصناف‭ ‬من‭ ‬العذاب‭ ‬يعذِّبك‭ ‬بها‭ ‬أولئك‭ ‬الملائكة،‭ ‬عندما‭ ‬يذهبون‭ ‬بالإنسان‭ ‬ليغتسل‭ ‬غسل‭ ‬جهنم،‭ ‬غسل‭ ‬رهيب،‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬حالات‭ ‬العذاب‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬الله‭ ‬يقول‭: {‬خُذُوهُ‭ ‬فَاعْتِلُوهُ‭ ‬إِلَى‭ ‬سَوَاءِ‭ ‬الْجَحِيمِ‭}[‬الدخان‭: ‬الآية47‭]‬،‭ ‬عتل‭ ‬يعتل‭ ‬به،‭ ‬يعني‭: ‬يؤخذ‭ ‬ويساق‭ ‬سوقاً‭ ‬عنيفاً؛‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يُذهَب‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الحالة‭ ‬الرهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬يخاف‭ ‬للغاية،‭ ‬وعندما‭ ‬يجرب‭ ‬أن‭ ‬يغتسل‭ ‬ذلك‭ ‬الغسل‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يأتون‭ ‬إليه‭ ‬سيخاف،‭ ‬ويحاول‭ ‬أن‭ ‬يمتنع،‭ ‬ولكنهم‭ ‬يأخذونه‭ ‬رغماً‭ ‬عنه،‭ ‬فيعتلوه،‭ ‬العتل‭: ‬الأخذ‭ ‬والسوق‭ ‬بعنف‭ ‬وشدة‭ ‬وقوة،‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬قال‭ ‬عنه‭ ‬الله‭: {‬إِلَى‭ ‬سَوَاءِ‭ ‬الْجَحِيمِ‭}‬،‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬الأماكن‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬وأشدها‭ ‬عذاباً،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يصل‭: {‬ثُمَّ‭ ‬صُبُّوا‭ ‬فَوْقَ‭ ‬رَأْسِهِ‭ ‬مِنْ‭ ‬عَذَابِ‭ ‬الْحَمِيمِ‭}[‬الدخان‭: ‬الآية48‭]‬،‭ ‬نعوذ‭ ‬بالله،‭ ‬عذاب‭ ‬رهيب‭ ‬جداً،‭ ‬ذلك‭ ‬الغسل‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬آيةٍ‭ ‬أخرى‭: {‬يُصْهَرُ‭ ‬بِهِ‭ ‬مَا‭ ‬فِي‭ ‬بُطُونِهِمْ‭ ‬وَالْجُلُودُ‭}[‬الحج‭: ‬الآية20‭]‬،‭ ‬يذوب‭ ‬فيه‭ ‬جلد‭ ‬الإنسان،‭ ‬يذوب‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬حرارته‭ ‬جلده،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬وألم‭ ‬شديد‭ ‬جداً‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬العذاب‭ ‬الشديد،‭ ‬والعناء‭ ‬الرهيب،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬ينفعهم،‭ ‬يستغيثون‭ ‬فلا‭ ‬يغاثون،‭ ‬يتضرعون‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬بالدعاء،‭ ‬في‭ ‬الدعاء‭ ‬الله‭ ‬ينادينا‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬أن‭ ‬ندعوه،‭ ‬يقول‭: {‬ادْعُونِي‭ ‬أَسْتَجِبْ‭ ‬لَكُمْ‭}[‬غافر‭: ‬من‭ ‬الآية60‭]‬،‭ {‬وَإِذَا‭ ‬سَأَلَكَ‭ ‬عِبَادِي‭ ‬عَنِّي‭ ‬فَإِنِّي‭ ‬قَرِيبٌ‭ ‬أُجِيبُ‭ ‬دَعْوَةَ‭ ‬الدَّاعِ‭ ‬إِذَا‭ ‬دَعَانِ‭}[‬البقرة‭: ‬من‭ ‬الآية186‭]‬،‭ ‬فقط‭ ‬طلب‭ ‬منا‭ ‬طلباً‭ ‬واحداً‭: {‬فَلْيَسْتَجِيبُوا‭ ‬لِي‭ ‬وَلْيُؤْمِنُوا‭ ‬بِي‭ ‬لَعَلَّهُمْ‭ ‬يَرْشُدُونَ‭}[‬البقرة‭: ‬من‭ ‬الآية186‭]‬،‭ ‬يحثنا‭ ‬على‭ ‬الدعاء،‭ ‬يرغِّبنا‭ ‬في‭ ‬الدعاء،‭ ‬ويأمرنا‭ ‬أن‭ ‬نستجيب‭ ‬لدعوته؛‭ ‬ليستجيب‭ ‬لدعائنا،‭ ‬ولكن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬غفلوا‭ ‬عن‭ ‬هذا،‭ ‬وإذا‭ ‬دعا‭ ‬يدعو‭ ‬بشكل‭ ‬ليس‭ ‬فيه‭ ‬أي‭ ‬شيءٍ‭ ‬من‭ ‬الإقبال‭ ‬بذهنه‭ ‬ونفسيته‭ ‬ومشاعره،‭ ‬لا‭ ‬يدعو‭ ‬دعاءً‭ ‬جاداً،‭ ‬يتوجه‭ ‬من‭ ‬قلبه‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يدعو‭ ‬الإنسان‭ ‬يدعو‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الانشغال‭ ‬الذهني،‭ ‬واللامبالاة،‭ ‬واللا‭ ‬اهتمام،‭ ‬واللا‭ ‬جدية،‭ ‬وبفقدان‭ ‬لهذا‭ ‬التوجه‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حاضراً‭ ‬عندما‭ ‬تدعو‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭".‬

هناك‭ ‬سيدعون‭ ‬الله،‭ ‬يتضرعون،‭ {‬وَهُمْ‭ ‬يَصْطَرِخُونَ‭ ‬فِيهَا‭}[‬فاطر‭: ‬من‭ ‬الآية37‭]‬،‭ ‬صراخ‭ ‬مرافقاً‭ ‬له‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التخبط،‭ ‬من‭ ‬التألم،‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬الرهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬يتصرَّعون‭ ‬بين‭ ‬نيران‭ ‬جهنم،‭ ‬ويتقلَّبون،‭ ‬يقومون‭ ‬ويقعدون،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً،‭ ‬ليس‭ ‬لهم‭ ‬وضعية‭ ‬استقرار،‭ ‬يضطجع‭ ‬ويهدأ،‭ ‬لا،‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التقلب‭ ‬والقيام‭ ‬والقعود،‭ ‬يرجم‭ ‬بنفسه‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬هناك،‭ ‬ويصرخ‭ ‬في‭ ‬عذاب‭ ‬شديد،‭ ‬يتلوى،‭ ‬يتأوه،‭ ‬يبكي،‭ ‬يتجهون‭ ‬بالدعاء‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أعماق‭ ‬قلوبهم،‭ {‬وَهُمْ‭ ‬يَصْطَرِخُونَ‭ ‬فِيهَا‭ ‬رَبَّنَا‭ ‬أَخْرِجْنَا‭ ‬نَعْمَلْ‭ ‬صَالِحًا‭ ‬غَيْرَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬كُنَّا‭ ‬نَعْمَلُ‭}[‬فاطر‭: ‬من‭ ‬الآية37‭]‬،‭ ‬هل‭ ‬يستجيب‭ ‬الله‭ ‬لدعائهم‭ ‬لأنهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الخشوع‭ ‬الشديد،‭ ‬والبكاء،‭ ‬والتضرع،‭ ‬والتوجه‭ ‬من‭ ‬أعماق‭ ‬قلوبهم؟‭ ‬لا،‭ ‬فات‭ ‬وقت‭ ‬الدعاء،‭ ‬وقت‭ ‬الدعاء‭ ‬هو‭ ‬هنا،‭ ‬كان‭ ‬الله‭ ‬يدعوك‭ ‬لأن‭ ‬تدعوه،‭ ‬يأمرك‭ ‬بدعائه،‭ ‬يقدِّم‭ ‬لك‭ ‬حتى‭ ‬أوقات‭ ‬مميزة‭ ‬جداً‭ ‬للدعاء،‭ ‬وأسباب‭ ‬مفيدة‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬الدعاء،‭ ‬فكنت‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬تبالي‭ ‬بكل‭ ‬ذلك،‭ ‬الله‭ ‬يرد‭ ‬عليهم‭: {‬أَوَلَمْ‭ ‬نُعَمِّرْكُمْ‭ ‬مَا‭ ‬يَتَذَكَّرُ‭ ‬فِيهِ‭ ‬مَنْ‭ ‬تَذَكَّرَ‭ ‬وَجَاءَكُمُ‭ ‬النَّذِيرُ‭ ‬فَذُوقُوا‭}[‬فاطر‭: ‬من‭ ‬الآية37‭]‬،‭ ‬الحالة‭ ‬ليس‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬رحمة‭ ‬أبداً،‭ ‬يصطرخون‭ ‬بين‭ ‬تلك‭ ‬العذابات،‭ ‬والنيران‭ ‬تلفح‭ ‬وجوههم،‭ ‬وقد‭ ‬كلحت‭ ‬وجوههم،‭ ‬وانقشعت‭ ‬شفاههم‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الحرارة،‭ ‬وبدت‭ ‬كل‭ ‬أفواههم،‭ ‬أسنانه‭ ‬بادية‭ ‬بارزة،‭ ‬انقشع‭ ‬شفتاه‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬النار،‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحال‭ ‬وهم‭ ‬يصرخون‭ ‬ويتأوهون‭ ‬ويدعون‭: {‬رَبَّنَا‭ ‬أَخْرِجْنَا‭ ‬مِنْهَا‭ ‬فَإِنْ‭ ‬عُدْنَا‭ ‬فَإِنَّا‭ ‬ظَالِمُونَ‭ (‬107‭) ‬قَالَ‭ ‬اخْسَئُوا‭ ‬فِيهَا‭ ‬وَلَا‭ ‬تُكَلِّمُونِ‭}[‬المؤمنون‭:‬‭ ‬107-108‭]‬،‭ {‬اخْسَئُوا‭}: ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الرد‭ ‬عليهم،‭ ‬بعدها‭ ‬يمنعون‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬الدعاء،‭ {‬وَلَا‭ ‬تُكَلِّمُونِ‭}‬،‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬لهم‭ ‬بأن‭ ‬يدعوا‭ ‬الله،‭ ‬حالة‭ ‬رهيبة‭ ‬جداً‭.‬

يطلبون‭ ‬التخفيف‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يئسوا‭ ‬من‭ ‬الخروج،‭ ‬يقولون‭: [‬خلاص‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬جهنم‭ ‬فالتخفيف‭]‬،‭ ‬بين‭ ‬ملايين‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬العذاب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬ولا‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬يرتاحون‭ ‬فيها،‭ ‬يطلبون‭ ‬من‭ ‬الملائكة،‭ {‬وَقَالَ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬فِي‭ ‬النَّارِ‭ ‬لِخَزَنَةِ‭ ‬جَهَنَّمَ‭ ‬ادْعُوا‭ ‬رَبَّكُمْ‭ ‬يُخَفِّفْ‭ ‬عَنَّا‭ ‬يَوْمًا‭ ‬مِنَ‭ ‬الْعَذَابِ‭}[‬غافر‭: ‬الآية49‭]‬،‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬السنين‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬يطلبون‭ ‬يوماً‭ ‬واحداً‭ ‬يتخفف،‭ ‬فماذا‭ ‬يجيبون‭ ‬عليهم؟‭ ‬هل‭ ‬سيدعون‭ ‬لهم؟‭ ‬هل‭ ‬سيتوسطون‭ ‬لهم؟‭ {‬قَالُوا‭ ‬أَوَلَمْ‭ ‬تَكُ‭ ‬تَأْتِيكُمْ‭ ‬رُسُلُكُمْ‭ ‬بِالْبَيِّنَاتِ‭ ‬قَالُوا‭ ‬بَلَى‭ ‬قَالُوا‭ ‬فَادْعُوا‭}[‬غافر‭: ‬من‭ ‬الآية50‭]‬،‭ ‬يعني‭: ‬لن‭ ‬ندعوا‭ ‬لكم‭ ‬نحن‭ ‬أبداً،‭ ‬ولن‭ ‬يفيدهم‭ ‬دعاؤهم،‭ ‬قد‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬لهم‭: {‬اخْسَئُوا‭ ‬فِيهَا‭ ‬وَلَا‭ ‬تُكَلِّمُونِ‭}‬،‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬حتى‭ ‬التخفيف،‭ ‬عناء‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له،‭ ‬كيف‭ ‬يكون‭ ‬تعب‭ ‬الإنسان‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬له‭ ‬ألم‭ ‬لأيام،‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬له‭ ‬غم‭ ‬وحزن‭ ‬لساعات،‭ ‬كيف‭ ‬يبلغ‭ ‬به‭ ‬التعب‭ ‬الإرهاق،‭ ‬كيف‭ ‬يبلغ‭ ‬به‭ ‬الضيق‭ ‬النفسي،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬بذلك‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭.‬

لا‭ ‬تخفيف‭ ‬ولا‭ ‬خروج،‭ ‬يطلبون‭ ‬الموت‭ (‬الهلاك‭)‬،‭ ‬الموت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬أمنية‭ ‬يتمنونها،‭ ‬وستكون‭ ‬أكبر‭ ‬نعمة،‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬كم‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬كم‭ ‬يترك‭ ‬الأعمال‭ ‬العظيمة‭ ‬ومنها‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬قلقاً‭ ‬من‭ ‬الموت،‭ ‬مع‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله‭ ‬هناك‭ ‬الشهادة‭ ‬بدلاً‭ ‬عن‭ ‬الموت،‭ ‬والحياة‭ ‬الطيبة‭ ‬للشهداء،‭ ‬هناك‭ ‬ماذا‭ ‬يقولون؟‭ {‬وَنَادَوْا‭ ‬يَا‭ ‬مَالِكُ‭}[‬الزخرف‭: ‬من‭ ‬الآية77‭]‬،‭ ‬هذا‭ ‬مالك‭ ‬هو‭ ‬خازن‭ ‬النار،‭ {‬لِيَقْضِ‭ ‬عَلَيْنَا‭ ‬رَبُّكَ‭}[‬الزخرف‭: ‬من‭ ‬الآية77‭]‬،‭ {‬لِيَقْضِ‭}: ‬ليهلكنا،‭ ‬ليميتنا،‭ ‬فماذا‭ ‬يقول‭ ‬لهم؟‭ {‬قَالَ‭ ‬إِنَّكُمْ‭ ‬مَاكِثُونَ‭}[‬الزخرف‭: ‬من‭ ‬الآية77‭]‬،‭ ‬لا‭ ‬موت،‭ ‬إنما‭ ‬تستمرون‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭ ‬للأبد‭.‬

لا‭ ‬تفيد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬التوسلات‭ ‬والتضرعات‭ ‬والمطالب،‭ ‬ماذا‭ ‬يحاولون؟‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يخرجوا،‭ ‬يحاولون‭ ‬أن‭ ‬يُجهِدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬وأن‭ ‬يتحركوا‭ ‬بين‭ ‬نيران‭ ‬جهنم‭ ‬في‭ ‬عالمها‭ ‬المتعب‭ ‬جداً،‭ ‬كله‭ ‬نار،‭ ‬الانتقال‭ ‬فيها‭ ‬صعب‭ ‬جداً،‭ ‬وهم‭ ‬مثقلون‭ ‬بالسلاسل‭ ‬وبالقيود،‭ ‬والحركة‭ ‬فيها‭ ‬صعبة‭ ‬جداً،‭ ‬وعذاب‭ ‬شديد،‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬هي‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬عذابٌ‭ ‬شديد،‭ ‬بين‭ ‬نيرانها،‭ ‬بين‭ ‬وديانها،‭ ‬بين‭ ‬أماكنها‭ ‬الضيِّقة،‭ ‬بين‭ ‬براكينها‭ ‬الهائلة،‭ ‬أمور‭ ‬هائلة‭ ‬جداً‭ ‬ورهيبة‭ ‬للغاية،‭ {‬وَلَهُمْ‭ ‬مَقَامِعُ‭ ‬مِنْ‭ ‬حَدِيدٍ‭}[‬الحج‭: ‬الآية21‭]‬،‭ ‬مقامع‭ ‬من‭ ‬حديد‭ ‬بيد‭ ‬الخزنة،‭ {‬كُلَّمَا‭ ‬أَرَادُوا‭ ‬أَنْ‭ ‬يَخْرُجُوا‭ ‬مِنْهَا‭ ‬مِنْ‭ ‬غَمٍّ‭ ‬أُعِيدُوا‭ ‬فِيهَا‭ ‬وَذُوقُوا‭ ‬عَذَابَ‭ ‬الْحَرِيقِ‭}[‬الحج‭: ‬الآية22‭]‬،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يقطعوا‭ ‬شوطاً‭ ‬كله‭ ‬عذاب،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يمشوا‭ ‬مسافة‭ ‬كلها‭ ‬عذاب‭ ‬شديد،‭ ‬تتلقاهم‭ ‬الملائكة‭ ‬من‭ ‬خزنة‭ ‬جهنم‭ ‬بتلك‭ ‬المقامع‭ ‬الرهيبة‭ ‬ويضربونهم‭ ‬بها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬مؤلمٍ‭ ‬ومهين؛‭ ‬لإعادتهم‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬كانوا‭ ‬من‭ ‬النار‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ {‬وَذُوقُوا‭ ‬عَذَابَ‭ ‬الْحَرِيقِ‭}‬،‭ ‬وكربٌ‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له،‭ ‬كربٌ‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬له،‭ ‬ما‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬شيءٌ‭ ‬أبداً‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬أن‭ ‬تخاطر‭ ‬بأجله‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬نار‭ ‬جهنم،‭ ‬لا‭ ‬فيما‭ ‬تعمله‭ ‬من‭ ‬المعاصي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬رغبات‭ ‬نفسك‭ ‬وشهواتها،‭ ‬وأطماع‭ ‬نفسك‭ ‬وأهوائها،‭ ‬ولا‭ ‬فيما‭ ‬تفرِّط‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة،‭ ‬إما‭ ‬طلباً‭ ‬للراحة،‭ ‬أو‭ ‬تكاسلاً‭.‬

الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬كم‭ ‬قدَّم‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬من‭ ‬التفاصيل،‭ ‬هذه‭ ‬بعضٌ‭ ‬منها،‭ ‬الكثير‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬التفاصيل‭ ‬في‭ ‬كتب‭ ‬الله‭ ‬السابقة‭ ‬مع‭ ‬أنبيائه‭ ‬ورسله‭ ‬السابقين،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬ما‭ ‬يكفي،‭ ‬ولكن‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬مع‭ ‬الأنبياء‭ ‬السابقين‭ ‬وفي‭ ‬كتب‭ ‬الله‭ ‬السابقة‭ ‬حجة‭ ‬على‭ ‬الأمم‭ ‬السابقة‭ ‬من‭ ‬قبلنا،‭ ‬التحذير‭ ‬والإنذار‭ ‬من‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬رسله‭ ‬وأنبيائه،‭ ‬وهو‭ ‬يحذِّرنا‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭ ‬تكرر،‭ ‬والله‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭" ‬قال‭: {‬رُسُلًا‭ ‬مُبَشِّرِينَ‭ ‬وَمُنْذِرِينَ‭ ‬لِئَلَّا‭ ‬يَكُونَ‭ ‬لِلنَّاسِ‭ ‬عَلَى‭ ‬اللَّهِ‭ ‬حُجَّةٌ‭ ‬بَعْدَ‭ ‬الرُّسُلِ‭}[‬النساء‭: ‬من‭ ‬الآية165‭]‬،‭ ‬أقام‭ ‬الحجة‭ ‬على‭ ‬عباده،‭ ‬برحمته‭ ‬وبحكمته‭ ‬أخبر‭ ‬عباده‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا،‭ ‬والفرصة‭ ‬متاحةٌ‭ ‬أمامهم،‭ ‬جعل‭ ‬الإنذار‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العذاب‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬وظائف‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬رسله‭ ‬وأنبيائه‭ ‬والهداة‭ ‬من‭ ‬عباده،‭ ‬وهو‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭" ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬وآخرها‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬كتابه‭ ‬العظيم،‭ ‬المبارك‭ ‬الحكيم،‭ ‬ذكر‭ ‬الكثير‭ ‬والكثير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬العذاب،‭ ‬وأنذر،‭ ‬وحذَّر؛‭ ‬ولذلك‭ ‬حالة‭ ‬خطيرة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬ألا‭ ‬ينفع‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬التذكير،‭ ‬يتجه‭ ‬التحذير‭ ‬حتى‭ ‬لمن؟‭ ‬للذين‭ ‬آمنوا؛‭ ‬لأن‭ ‬البعض‭ ‬قد‭ ‬يقول‭: [‬هذا‭ ‬العذاب‭ ‬كله‭ ‬للكافرين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يسلموا،‭ ‬لم‭ ‬ينتموا‭ ‬إلى‭ ‬ملة‭ ‬الإسلام،‭ ‬أمَّا‭ ‬الذي‭ ‬ينتمي‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام،‭ ‬ويقول‭: (‬أشهد‭ ‬ألا‭ ‬إله‭ ‬إلا‭ ‬الله،‭ ‬وأشهد‭ ‬أن‭ ‬محمداً‭ ‬رسول‭ ‬الله‭)‬،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا،‭ ‬والذين‭ ‬آمنوا‭ ‬لا‭ ‬هناك‭ ‬عليهم‭ ‬عذاب،‭ ‬ولا‭ ‬هناك‭ ‬خطر‭... ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬شيء‭]. ‬تعالوا‭ ‬معي‭ ‬لنتأمل‭ ‬آيةً‭ ‬من‭ ‬كتاب‭ ‬الله،‭ ‬آيةً‭ ‬واحدة‭ ‬فيها‭ ‬الكفاية،‭ ‬فيها‭ ‬العبرة،‭ ‬فيها‭ ‬العظة،‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭": {‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭}‬،‭ ‬يوجِّه‭ ‬نداءه‭ ‬إلى‭ ‬مَنْ؟‭ ‬إلى‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا،‭ {‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬قُوا‭ ‬أَنْفُسَكُمْ‭ ‬وَأَهْلِيكُمْ‭ ‬نَارًا‭ ‬وَقُودُهَا‭ ‬النَّاسُ‭ ‬وَالْحِجَارَةُ‭ ‬عَلَيْهَا‭ ‬مَلَائِكَةٌ‭ ‬غِلَاظٌ‭ ‬شِدَادٌ‭ ‬لَا‭ ‬يَعْصُونَ‭ ‬اللَّهَ‭ ‬مَا‭ ‬أَمَرَهُمْ‭ ‬وَيَفْعَلُونَ‭ ‬مَا‭ ‬يُؤْمَرُونَ‭}[‬التحريم‭: ‬الآية6‭]‬،‭ {‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭}‬،‭ ‬الله‭ ‬يخاطب‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬الكافرين،‭ ‬يحذِّر‭ ‬الذين‭ ‬آمنوا‭ ‬من‭ ‬النار‭.‬

اقرأ‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كم‭ ‬ستجد‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬يتوعد‭ ‬الله‭ ‬عليها‭ ‬بنار‭ ‬جهنم،‭ ‬أعمال؛‭ ‬لأن‭ ‬المسألة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالعمل،‭ ‬مجرد‭ ‬انتسابك‭ ‬للإسلام‭ ‬وانتمائك‭ ‬للإيمان‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬عندما‭ ‬تعمل‭ ‬عمل‭ ‬أهل‭ ‬النار،‭ ‬عندما‭ ‬تعمل‭ ‬عمل‭ ‬الكافرين،‭ ‬عندما‭ ‬تظلم،‭ ‬عندما‭ ‬تقتل‭ ‬النفس‭ ‬المحرمة،‭ ‬عندما‭ ‬تزني،‭ ‬عندما‭ ‬ترتكب‭ ‬الفاحشة،‭ ‬عندما‭ ‬تشرب‭ ‬الخمر،‭ ‬عندما‭ ‬تستخدم‭ ‬المخدرات،‭ ‬عندما‭ ‬تأكل‭ ‬مال‭ ‬الحرام،‭ ‬عندما‭ ‬تغش،‭ ‬عندما‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬الباطل،‭ ‬عندما‭ ‬تنافق‭ ‬وتوالي‭ ‬الكافرين،‭ ‬عندما‭ ‬تخل‭ ‬بشيءٍ‭ ‬من‭ ‬فرائض‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تجاهد،‭ ‬لا‭ ‬تنفق‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله،‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬لإقامة‭ ‬دين‭ ‬الله،‭ ‬عندما‭ ‬تتجاهل‭ ‬قول‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭: {‬يَا‭ ‬أَيُّهَا‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬آمَنُوا‭ ‬كُونُوا‭ ‬أَنْصَارَ‭ ‬اللَّهِ‭}[‬الصف‭: ‬من‭ ‬الآية14‭]‬،‭ ‬عندما‭ ‬تتجاهل‭ ‬أوامر‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬بالجهاد‭ ‬في‭ ‬سبيله،‭ {‬إِلَّا‭ ‬تَنْفِرُوا‭ ‬يُعَذِّبْكُمْ‭ ‬عَذَابًا‭ ‬أَلِيمًا‭ ‬وَيَسْتَبْدِلْ‭ ‬قَوْمًا‭ ‬غَيْرَكُمْ‭}[‬التوبة‭: ‬من‭ ‬الآية39‭]‬،‭ ‬كم‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬من‭ ‬وعيد‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬يحذِّر‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬أن‭ ‬عقوبته‭ ‬عليها‭ ‬جهنم،‭ ‬وأنها‭ ‬ستدخله‭ ‬النار‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬ينتمي‭ ‬للإسلام،‭ ‬بل‭ ‬إنَّ‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬الوعيد،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬التحذير،‭ ‬وكل‭ ‬تلك‭ ‬التعليمات،‭ ‬هي‭ ‬تتوجه‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬إلى‭ ‬المسلمين،‭ ‬المسلمين‭ ‬يحذِّرهم،‭ ‬يخبرهم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬محرمٌ‭ ‬عليهم،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬المسؤوليات‭ ‬التي‭ ‬عليهم؛‭ ‬ولذلك‭ ‬المسألة‭ ‬مهمة‭ ‬جداً،‭ {‬قُوا‭ ‬أَنْفُسَكُمْ‭}‬،‭ ‬أنت‭ ‬معنيٌ‭ ‬بأن‭ ‬تقي‭ ‬نفسك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬العملي،‭ ‬الطاعة‭ ‬لله،‭ ‬علَّمك‭ ‬الله‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تدخل‭ ‬بها‭ ‬الجنة،‭ ‬تنجو‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬النار،‭ ‬العمل،‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬الأساس،‭ ‬هو‭ ‬جنتك‭ ‬وهو‭ ‬نارك،‭ ‬يترتب‭ ‬عليه‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭.‬

في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬نرى‭ ‬كيف‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬حالة‭ ‬إيمانية،‭ ‬وحالة‭ ‬موجودة‭ ‬حتى‭ ‬عند‭ ‬ملائكة‭ ‬الله،‭ ‬وعند‭ ‬أنبيائه،‭ ‬وعند‭ ‬أوليائه‭ ‬الصالحين،‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬قال‭ ‬عن‭ ‬ملائكته‭ ‬وهم‭ ‬الملائكة‭: {‬يَخَافُونَ‭ ‬رَبَّهُمْ‭ ‬مِنْ‭ ‬فَوْقِهِمْ‭ ‬وَيَفْعَلُونَ‭ ‬مَا‭ ‬يُؤْمَرُونَ‭}[‬النحل‭: ‬من‭ ‬الآية50‭]‬،‭ ‬قال‭ ‬عنهم‭: {‬وَيَرْجُونَ‭ ‬رَحْمَتَهُ‭ ‬وَيَخَافُونَ‭ ‬عَذَابَهُ‭}[‬الإسراء‭: ‬من‭ ‬الآية57‭]‬،‭ ‬الملائكة‭ ‬وهي‭ ‬الملائكة‭ ‬تخاف‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله،‭ ‬الأنبياء‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله،‭ ‬يحكي‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬مريم‭ ‬عن‭ ‬خوفهم،‭ ‬عن‭ ‬بكائهم‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬يقول‭ ‬حتى‭ ‬لسيد‭ ‬رسله‭ ‬وأنبيائه‭ ‬وخاتمهم‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬محمد‭ "‬صلوات‭ ‬الله‭ ‬وسلامه‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬آله‭": {‬قُلْ‭ ‬إِنِّي‭ ‬أَخَافُ‭ ‬إِنْ‭ ‬عَصَيْتُ‭ ‬رَبِّي‭ ‬عَذَابَ‭ ‬يَوْمٍ‭ ‬عَظِيمٍ‭}[‬الأنعام‭: ‬الآية15‭]‬،‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬أوليائه‭ ‬وهو‭ ‬يحكي‭ ‬عن‭ ‬واقعهم‭: {‬إِنَّا‭ ‬نَخَافُ‭ ‬مِنْ‭ ‬رَبِّنَا‭ ‬يَوْمًا‭ ‬عَبُوسًا‭ ‬قَمْطَرِيرًا‭}[‬الإنسان‭: ‬الآية10‭]‬،‭ ‬يقول‭ ‬عن‭ ‬عباده‭ ‬المؤمنين‭ ‬الصادقين‭ ‬الذين‭ ‬يخشون‭ ‬الله،‭ {‬وَالَّذِينَ‭ ‬يُؤْتُونَ‭ ‬مَا‭ ‬آتَوْا‭ ‬وَقُلُوبُهُمْ‭ ‬وَجِلَةٌ‭ ‬أَنَّهُمْ‭ ‬إِلَى‭ ‬رَبِّهِمْ‭ ‬رَاجِعُونَ‭}[‬المؤمنون‭: ‬الآية60‭]‬،‭ {‬وَالَّذِينَ‭ ‬يُؤْتُونَ‭ ‬مَا‭ ‬آتَوْا‭}: ‬لو‭ ‬قدَّموا‭ ‬ما‭ ‬قدَّموا،‭ ‬لو‭ ‬أنفقوا‭ ‬ما‭ ‬أنفقوا،‭ ‬لو‭ ‬عملوا‭ ‬ما‭ ‬عملوا‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة،‭ ‬يبقى‭ ‬عندهم‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭"‬،‭ ‬ويستشعرون‭ ‬رجوعهم‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬ويطلبون‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬بكل‭ ‬تضرع‭ ‬أن‭ ‬يقبل‭ ‬منهم‭ ‬ما‭ ‬عملوا‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬الصالحة‭.‬

الخوف‭ ‬حالة‭ ‬إيجابية‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬حالة‭ ‬إيجابية‭ ‬تساعد‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الاستقامة،‭ ‬على‭ ‬الانتباه،‭ ‬تفيدك‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الشهوات‭ ‬والرغبات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تدفع‭ ‬بك‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬المعصية،‭ ‬وإلى‭ ‬ارتكاب‭ ‬المحرم،‭ ‬تردك،‭ ‬تزجرك،‭ ‬حالة‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬حالة‭ ‬إيجابية‭ ‬جداً،‭ ‬الله‭ "‬جلَّ‭ ‬شأنه‭" ‬قال‭: ‬‭{‬وَأَمَّا‭ ‬مَنْ‭ ‬خَافَ‭ ‬مَقَامَ‭ ‬رَبِّهِ‭ ‬وَنَهَى‭ ‬النَّفْسَ‭ ‬عَنِ‭ ‬الْهَوَى‭ (‬40‭) ‬فَإِنَّ‭ ‬الْجَنَّةَ‭ ‬هِيَ‭ ‬الْمَأْوَى‭}[‬النازعات‭: ‬40‭-‬41‭]‬،‭ ‬الخوف‭ ‬في‭ ‬الدنيا‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬يدفع‭ ‬عنك‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬الدنيا،‭ ‬ويدفع‭ ‬عنك‭ ‬عذابه‭ ‬في‭ ‬الآخرة،‭ ‬والبديل‭ ‬عنه‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬هو‭ ‬الأمن‭ ‬والاطمئنان‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الفزع‭ ‬الأكبر‭.‬

أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعيشوا‭ ‬هذه‭ ‬الإيجابية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬أهميتها‭ ‬عند‭ ‬الرغبات،‭ ‬ولها‭ ‬أهميتها‭ ‬عند‭ ‬المخاوف،‭ ‬كيف‭ ‬يؤثِّر‭ ‬على‭ ‬البعض‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الأعداء،‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬القتل،‭ ‬الخوف‭ ‬مما‭ ‬بيد‭ ‬الأعداء‭ ‬من‭ ‬سلاح،‭ ‬فيجعله‭ ‬يتخاذل‭ ‬عن‭ ‬القيام‭ ‬بمسؤولياته‭ ‬العظيمة،‭ ‬عن‭ ‬الجهاد‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬الله،‭ ‬عن‭ ‬أعمال‭ ‬عظيمة‭ ‬ومهمة،‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬الحق،‭ ‬يقف‭ ‬البعض‭ ‬في‭ ‬صف‭ ‬الباطل‭ ‬نتيجةً‭ ‬لذلك،‭ ‬فينسى‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يخاف‭ ‬منه،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بيد‭ ‬الأعداء‭ ‬من‭ ‬إمكانات،‭ ‬من‭ ‬جبروتهم،‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬القتل‭ ‬والتدمير‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬جهنم‭ ‬والعياذ‭ ‬بالله،‭ ‬حالة‭ ‬الانضباط‭ ‬عند‭ ‬الغضب‭ ‬تحتاج‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الخوف،‭ ‬البعض‭ ‬عند‭ ‬الغضب‭ ‬قد‭ ‬يقول‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬قد‭ ‬يفعل‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬قد‭ ‬يتصرف‭ ‬أي‭ ‬شيء،‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬الله،‭ ‬يخاف‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬الجبار‭ ‬جبار‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض؛‭ ‬سينضبط،‭ ‬سيراجع‭ ‬نفسه،‭ ‬سيعمل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬أعصابه،‭ ‬سيستعيذ‭ ‬بالله‭ ‬من‭ ‬الشيطان‭ ‬الرجيم،‭ ‬سيصلي‭ ‬على‭ ‬محمد‭ ‬وآله،‭ ‬اللهم‭ ‬صلِّ‭ ‬وسلم‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬آله‭.‬

حالة‭ ‬الخوف‭ ‬حالة‭ ‬إيجابية،‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله‭ ‬تساعد‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬الاستقامة،‭ ‬على‭ ‬الطاعة،‭ ‬على‭ ‬المبادرة‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬نجاته،‭ ‬فيه‭ ‬السلامة‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬عذاب‭ ‬الله،‭ ‬أمَّا‭ ‬حالة‭ ‬النسيان‭ ‬فهي‭ ‬الحالة‭ ‬الخطيرة‭ ‬جداً،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يخسرون‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬العذاب،‭ ‬ماذا‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬عنهم؟‭ {‬كَلَّا‭ ‬بَلْ‭ ‬لَا‭ ‬يَخَافُونَ‭ ‬الْآخِرَةَ‭}[‬المدثر‭: ‬الآية53‭]‬،‭ ‬قال‭ ‬عنهم‭: {‬إِنَّهُمْ‭ ‬كَانُوا‭ ‬لَا‭ ‬يَرْجُونَ‭ ‬حِسَابًا‭}[‬النبأ‭: ‬الآية27‭]‬،‭ ‬كانوا‭ ‬يعيشون‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬من‭ ‬الغفلة،‭ ‬قال‭ ‬عنهم‭: {‬بَلْ‭ ‬يُرِيدُ‭ ‬الْإِنْسَانُ‭ ‬لِيَفْجُرَ‭ ‬أَمَامَهُ‭ (‬5‭) ‬يَسْأَلُ‭ ‬أَيَّانَ‭ ‬يَوْمُ‭ ‬الْقِيَامَةِ‭}[‬القيامة‭: ‬5‭-‬6‭]‬،‭ ‬حالة‭ ‬خطيرة‭ ‬جداً،‭ ‬الغفلة،‭ ‬النسيان،‭ ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬جداً‭ ‬الاستفادة‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬رمضان‭ ‬من‭ ‬تلاوة‭ ‬القرآن؛‭ ‬ليترسَّخ‭ ‬لدينا‭ ‬الإيمان‭ ‬بوعد‭ ‬الله‭ ‬ووعيده‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر؛‭ ‬لما‭ ‬يساعدنا‭ ‬على‭ ‬الاستقامة‭ ‬والعمل‭ ‬الصالح،‭ ‬الذي‭ ‬فيه‭ ‬نجاتنا‭ ‬وفوزنا‭ ‬وأمننا‭ ‬يوم‭ ‬الفزع‭ ‬الأكبر‭.‬

أسأل‭ ‬الله‭ "‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭" ‬أن‭ ‬يوفِّقنا‭ ‬وإيَّاكم‭ ‬لما‭ ‬يرضيه‭ ‬عنا،‭ ‬وأن‭ ‬يرحم‭ ‬شهداءنا‭ ‬الأبرار،‭ ‬وأن‭ ‬يشفي‭ ‬جرحانا،‭ ‬وأن‭ ‬يفرِّج‭ ‬عن‭ ‬أسرانا،‭ ‬وأن‭ ‬ينصرنا‭ ‬بنصره،‭ ‬ونسأله‭ ‬أن‭ ‬يعتق‭ ‬رقابنا‭ ‬من‭ ‬ناره‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم،‭ ‬أن‭ ‬يجعلنا‭ ‬من‭ ‬عتقائه‭ ‬وطلقائه‭ ‬ونقذائه‭ ‬من‭ ‬النار،‭ ‬إنه‭ ‬سميع‭ ‬الدعاء‭.. ‬والسَّـلَامُ‭ ‬عَلَيْكُمْ‭ ‬وَرَحْمَةُ‭ ‬اللهِ‭ ‬وَبَرَكَاتُهُ؛؛


طباعة