وزارة الخارجية اليمنية: إعادة تشغيل مطار صنعاء الدولي حق سيادي
في خضم هذا الجدل العقيم الذي حاولت الرياض فرضه، جاء رد وزارة الخارجية والمغتربين اليمنية ليكون فاصلاً وحاسماً، وليكون بحق رداً مزلزلاً لا يترك شاردة ولا واردة إلا وفندها ودحضها، بلغة تجمع بين صلابة الموقف ورصانة التحليل والعمق الاستراتيجي.
في خضم هذا الجدل العقيم الذي حاولت الرياض فرضه، جاء رد وزارة الخارجية والمغتربين اليمنية ليكون فاصلاً وحاسماً، وليكون بحق رداً مزلزلاً لا يترك شاردة ولا واردة إلا وفندها ودحضها، بلغة تجمع بين صلابة الموقف ورصانة التحليل والعمق الاستراتيجي.
لقد بدأت الخارجية بتذكير الجميع بالثابت الذي لا يتزحزح: "الشعب اليمني بكافة مؤسساته اتخذ قراره بإنهاء العدوان وكسر الحصار ويد المعتدي، ولن يتراجع عن ذلك مهما كلفه من ثمن". إنها كلمات تنم عن إرادة شعبية جارفة، لم تعد مجرد رغبة، بل تحولت إلى قرار لا رجعة فيه.
وأكد البيان أن إعادة تشغيل مطار صنعاء الدولي حق سيادي لليمن، وأن صنعاء ماضية في ذلك بدون إذن من أحد، و هذا النص إعلان تحرر، وقطع للحبل السري الذي كان يربط القرار اليمني بالإملاءات الخارجية.
ثم جاء التذكير المرعب للرياض، ليس تهديداً بقدر ما هو عرض لحقيقة على الأرض: "على رأس النظام السعودي أن يتجه بأنظاره إلى حقول النفط وأرامكو وينبع وبقية الموانئ، وكذلك إلى سوق المال والبورصة، ورؤية 2030 وغيرها من المشاريع، علّه يعود إلى رشده ويعي حجم الكارثة التي ستحل به في حال الإقدام على ارتكاب أي حماقة".
وهنا تحول البيان إلى مرآة يرى فيها آل سعود وجههم الحقيقي: لقد تحولت كل تلك الشعارات البراقة إلى نقاط ضعف قاتلة، وإلى بنك أهداف واسع لم يعد بإمكانهم حمايته.
وتناول البيان بالتفنيد الدقيق كل مغالطة سعودية. أما ادعاء رفض خارطة الطريق فقد وُصف بأنه "عارٍ عن الصحة"، وأكدت الخارجية أنها أكدت الموافقة مراراً، وأن مصلحة اليمن في التنفيذ وليس في المماطلة، وأما ادعاء الدفاع عن السيادة، فقد ردت عليه الخارجية بأنه "دعوى من تملكه الغرور ولم يعد يفرق بين الدفاع عن السيادة وانتهاكها"، مؤكدة أن على الرياض أن تعرف أنها "معنية بنفسها ومملكتها، وليس وصياً على الدول الأخرى ولا معنياً بها ليدافع عنها وهو من يعتدي عليها".
ثم كشفت الخارجية الوجه القبيح للنظام السعودي حين أثبتت أنه كان متربصاً أثناء معركة طوفان الأقصى، مراهناً على كسر اليمن وإيران، ليتسنى له التملص من استحقاقات السلام، ولكن الذي حدث كان العكس، إذ تجلى موقف اليمن الصادق والمبدئي المساند لفلسطين، فيما انكشف النظام السعودي "المتخم بالمؤامرات".
وهنا تتحول القضية إلى صراع مبدئي بين من يقف مع الحق والعدالة ومن اختار أن يكون أداة في خدمة المشروع الصهيو-أمريكي.
ولعل الأكثر أهمية في البيان هو ذلك التذكير بالجرائم التي لا تُنسى: "ما يربو عن ربع مليون غارة جوية... استشهاد عشرات الآلاف وجرح مئات الآلاف... لم يسلم من عدوانه حتى المقابر". هذه فاتورة الدم التي آن أوان تحصيلها.
واختتمت الخارجية بتحذيرين استراتيجيين واضحين، الأول موجه إلى دول المنطقة والعالم: إن اليمن لا يطالب إلا بحريته واستقلاله، وإن أي خطوة سعودية ستلقي بظلالها السلبية على استقرار المنطقة واقتصاد العالم. والثاني موجه إلى الرياض: أن الأمن لا يتأتى بالقوة التي فشلت أعتى الدول في فرضها، وأن عليها أن تسلك طريق الصواب أو تتحمل نتائج غرورها ومغامراتها، مؤكدة أن البيان السعودي الأخير "يؤكد أنه وحده لا سواه من سيتحمل كامل المسؤولية وأي تبعات أخرى".الرياض على أعتاب المجهولإن ما يجري اليوم لحظة تاريخية فارقة تقف فيها الرياض على أعتاب هزيمتها المدوية، الهزيمة التي قد تكون الأكثر فداحة، لأنها تأتي بعد أن استنفدت كل الأوراق، وجفت كل الأنهار، وتكشفت كل الأقنعة.لقد راهنت السعودية، طيلة أحد عشر عاماً، على إخضاع اليمن. راهنت على القوة الجوية، ففشلت. راهنت على المال والإغراءات والمرتزقة، ففشلت. راهنت على الحصار والتجويع، ففشلت. راهنت على الضغوط الدولية والمظلة الأمريكية، ففشلت. راهنت على التسويف والمماطلة والمراوغة، ففشلت. واليوم، بعد أن استهلكت كل هذه الأوراق، لم يعد في يدها شيء. لا شيء على الإطلاق.في المقابل، تقف صنعاء اليوم على أرضية صلبة من الإنجازات والقدرات. إنها تمتلك قوة عسكرية ردعية أثبتت جدارتها في البر والبحر والجو. إنها تحظى بالتفاف قبلي وشعبي منقطع النظير، تفجر غليانه مؤخراً ضد كل من تسبب في الكارثة الاقتصادية. إنها تدير دولة بمؤسساتها رغم الحصار، وتخاطب العالم بلغة الندية لا لغة التسول. والأهم من كل ذلك، أنها لم تعد تخشى شيئاً، لأنها أدركت أن "ما قيمة حياتنا بدون حرية، وما قيمة سلامتنا ونحن مسلوبو القرار".إن البيان العسكري وبيان الخارجية، اللذين صدرا عقب حادثة الطائرة الإيرانية كانا إعلاناً عن دخول مرحلة جديدة تماماً، مرحلة "السن بالسن"، مرحلة إنهاء الحصار بالقوة، مرحلة فرض السيادة كاملة غير منقوصة. لقد قالت صنعاء للرياض بوضوح: إن بنك الأهداف اليمني واسع، وإن اليد التي على الزناد لن تتردد، وإن الكلفة التي ستدفعونها ستكون أكبر بكثير مما تتصورون.اليمن يقول كلمتهفي النهاية، لا يمكن قراءة ما يجري بمعزل عن الأحداث، فاليمن ليس طارئاً على الجغرافيا السياسية، بل هو أصل العرب، وهو يمن الإيمان الذي خرجت منه الجيوش لتحمل رسالة الإسلام إلى أصقاع الأرض، وهذا البلد الذي قهر الحضارات قديماً، قادر على قهر الآلات الحديثة اليوم.لقد نفد صبر اليمنيين، نعم. ولكن ليس نفاد العجز، بل نفاد الحكمة في انتظار من لا يفهم إلا لغة القوة. إنها لحظة التحول الكبرى، التي قال فيها الشعب بكل فئاته: كفى. كفى حصاراً، كفى وصاية، كفى استعلاء. وما على الرياض إلا أن تسمع هذا الصوت المدوي.