لم يكن التفاعل الشعبي العراقي مع قضية الشهيد السيد علي الخامنئي حدثًا عابرًا في نظر المراقبين، بل محطة كشفت مجددًا عن عمق الروابط التي تجمع الشعبين العراقي والإيراني، وعن حضور القضايا المشتركة في وجدان الشارعين رغم المتغيرات السياسية والإقليمية.
في هذا الحوار، تفتح الصحفية والكاتبة الإيرانية إلناز رحمت نجاد ملفات العلاقة بين بغداد وطهران، وتقدم رؤيتها لمستقبل محور المقاومة بعد رحيل الشهيد الخامنئي، كما تتناول أبعاد الحضور الشعبي والإقليمي لهذه القضية، وانعكاساتها على المشهد السياسي في المنطقة.
حوار : رسول حسين أبو السبح
* كيف تقرئين المشهد الاستثنائي لتشييع السيد الشهيد علي الخامنئي في أرض العراق؟ وهل ترين في هذا الالتفاف الشعبي امتدادًا لمدرسة قادة النصر وتأكيدًا على وحدة المصير بين الشعبين؟
** إقامة مراسم تشييع الشهيد السيد علي الخامنئي في العراق لا يمكن النظر إليها كخطوة رمزية أو عاطفية فحسب، بل تحمل أبعادًا دينية وسياسية واستراتيجية عميقة.
فالنجف وكربلاء تمثلان مركزين روحيين مهمين لدى ملايين المسلمين، وإقامة مراسم التشييع فيهما تعكس المكانة التي حظي بها الشهيد الخامنئي في الوجدان الإسلامي، كما تؤكد أن تأثيره تجاوز حدود إيران ليشمل مساحة أوسع من العالم الإسلامي.
كما أن هذا الحدث يبعث برسائل متعددة، أبرزها التأكيد على عمق العلاقات بين العراق وإيران، وتجديد العهد مع نهج المقاومة، وإظهار حجم التماسك الشعبي حول القضايا المشتركة، ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى التشييع بوصفه مناسبة عزاء فقط، بل باعتباره تجسيدًا للوفاء والاستمرار في النهج الذي مثله الشهيد الخامنئي.
* أمام محاولات التضخيم الإعلامي لوجود فجوة بين الشارع العراقي والجمهورية الإسلامية، جاء هذا التفاعل الشعبي الواسع ليعيد ترتيب الأوراق، كيف تقيمين اليوم موقف الشعب العراقي تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟
** العلاقات بين الشعبين العراقي والإيراني أعمق بكثير من المتغيرات السياسية الآنية، فهي تستند إلى تاريخ طويل من الروابط الدينية والثقافية والاجتماعية والجغرافية.
بعد سقوط نظام صدام، برزت مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين، وتعزز هذا التقارب بصورة أكبر خلال مواجهة تنظيم داعش، حيث وقفت إيران إلى جانب العراق في لحظة مصيرية وأسهمت في دعم جهود حماية البلاد ومقدساتها..
كما أن الوقائع خلال السنوات الماضية أظهرت أن محاولات بعض الأطراف لإحداث قطيعة بين الشعبين لم تحقق أهدافها، لأن العلاقة بينهما لا تقوم فقط على المصالح السياسية، بل على شبكة واسعة من الروابط التاريخية والإنسانية والدينية المتجذرة..
ومن وجهة نظر كثير من العراقيين، فإن استقرار العراق وأمنه يرتبطان بعلاقات متوازنة وقوية مع جيرانه، وفي مقدمتهم إيران، وهو ما يجعل هذه العلاقة أكثر رسوخًا من أن تتأثر بالحملات الإعلامية أو الخلافات الظرفية.
* بصفتك متابعة وموثقة لقصص الشهادة والجهاد، كيف ينعكس رحيل قامة بحجم السيد الشهيد علي الخامنئي على صلابة محور المقاومة، وتحديدًا على شكل العلاقة الاستراتيجية والشعبية بين بغداد وطهران في المرحلة المقبلة؟
** يُنظر إلى الشهيد السيد علي الخامنئي باعتباره إحدى الشخصيات الأكثر تأثيرًا في العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، لما جمعه من حضور فكري وديني وسياسي، ورؤية استراتيجية تجاوزت حدود إيران إلى مجمل قضايا الأمة الإسلامية.
لقد أولى اهتمامًا كبيرًا بالتواصل مع التيارات الفكرية والشخصيات الإسلامية المختلفة، وعمل على بناء رؤية واسعة للعالم الإسلامي، الأمر الذي انعكس على طبيعة السياسات التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية في تعاملها مع قضايا المنطقة.
وفيما يتعلق بالعراق، كان للشهيد الخامنئي دور مهم في دعم مسارات العمل الإسلامي والسياسي التي أسهمت في تشكيل جزء من المشهد العراقي المعاصر، كما ساعدت رؤيته الاستراتيجية في ترسيخ مفاهيم التعاون والتنسيق بين قوى المقاومة في المنطقة.
أما على مستوى محور المقاومة، فإن رحيله لا يعني انتهاء المشروع الذي عمل من أجله، بل إن المؤسسات والبنى الفكرية والسياسية التي أسهم في تأسيسها ستواصل أداء دورها، ولهذا يرى كثيرون أن العلاقة بين بغداد وطهران ستبقى قائمة على أسس استراتيجية راسخة، تتجاوز الأشخاص وترتكز إلى المصالح المشتركة والروابط التاريخية والدينية والأمنية.
كما أن التطورات الإقليمية أثبتت أن العراق وإيران يشكلان عنصرين مهمين في معادلة الاستقرار الإقليمي، وأن الحفاظ على قنوات التعاون والتنسيق بينهما سيبقى ضرورة أساسية لمواجهة التحديات المشتركة وتحقيق الأمن والتنمية في المنطقة.
وهكذا بين الذاكرة المشتركة والتحديات الإقليمية المتسارعة، تؤكد الكاتبة والصحفية الإيرانية إلناز رحمت نجاد أن العلاقة بين بغداد وطهران ليست وليدة ظرف سياسي عابر، بل نتاج تراكم تاريخي وثقافي وأمني عميق، وترى أن رحيل الشهيد السيد علي الخامنئي، رغم ثقله الرمزي والفكري، لن يبدل من معادلات التقارب بين الشعبين، بل قد يدفع نحو مزيد من التمسك بالمسارات التي رسخها طوال عقود، وفي ظل مشهد إقليمي معقد، تبقى العلاقة العراقية الإيرانية ـ بحسب رحمت نجاد ـ واحدة من أكثر العلاقات تأثيرًا في مستقبل المنطقة واستقرارها.