منوعات

الحروق .. وحروق الحقوق

الزيارات: 163

جميل أن ترى الوجود جميل ،، فجمال كل شيء هو الإنسان ، فإذا سحقت الإنسانية فلا جمال يستحق الذكر .
رأيت مركز الحروق في المستشفي الجمهوري بصنعاء ، وابلغوني بأنه قد أصبح مركزا وطنيا للحروق في الدولة ، وصارت هناك فروع في عمران وذمار وأب والحديدة وصعده ،

الحروق .. وحروق الحقوق

جميل أن ترى الوجود جميل ،، فجمال كل شيء هو الإنسان ، فإذا سحقت الإنسانية فلا جمال يستحق الذكر .
رأيت مركز الحروق في المستشفي الجمهوري بصنعاء ، وابلغوني بأنه قد أصبح مركزا وطنيا للحروق في الدولة ، وصارت هناك فروع في عمران وذمار وأب والحديدة وصعده ،

وأصبح الأمل كبيرا في الحياة للكثير من الناس ، ولم يعد هناك ضرورة لاسعاف المصاب من تلك المحافظات إلى العاصمة حيث كان المركز الوحيد للحروق في الجمهورية هو في المستشفى الجمهوري بصنعاء ، اما الان فقد فتحت فروع أخرى للمركز الوطني للحروق في عدد من المحافظات وبنفس كفاءة المركز الرئيسي ،، ولكن لم يكتمل حلم المواطن وامله ، فتلك الصرخات والاهات من الأجساد البشرية المحروقة تجعل الدنيا في نظر من يسمعها صغيرة ولا تستحق الأهتمام بها ،،، فآلام الحروق بكل درجاتها عذاب يلازم المصاب ايا كانت سنوات عمره او جنسه حتى يتماثل للشفاء أو يتوفاه الله ، وكلا الخيارين مؤلم وموجع ،، ولعل أبلغ تمثيل لتلك الآلام هو قول الله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا
من سورة النساء - آية (56) ، فالمقصود هنا من الآية تجسيد حجم الألم من الحروق ،، فالعذاب الحقيقي هو احتراق جلد الإنسان ولا يشعر بألمه إلآ من ذاقه ،، وحينها تعلم حجم الآلآلم والاوجاع التي يعانيها المصاب ، وتدرك كم هو إنسان ذلك الطبيب والممرض والصحي الذي يكون رسول الرحمه والإنسانية وهو يصارع الزمن والدقائق والثواني لإنقاذ المصاب ، فبرغم الصرخات بأنواعها والتي تربك اي انسان عاقل بعيد كل البعد عن الطب ومعالجة الحروق فكيف بمن هو واقف على المصاب ، فتراه يخاطب المصاب ويتودد اليه راجيا أن يصبر وعيناه ويداه وكل جوارحة تتحرك معه في كل مكان لتخفيف تلك الآلام التي ذكرها الله في كتابه الكريم بأنها من اشد العذاب ، حينها نشعر نحن المواطنين وكل من كان حاضرا ويسمع ذلك الصراخ ويرى اولئك الرحماء وهم كخلية النحل حول المصاب من كل مكان في سبيل الحصول على نسبة من أمل للحياة وانقاذه ، باذلين كل ما في وسعهم وقدراتهم لتخفيف ذلك العذاب ، وإبلاغ الأهل والأقارب بأنه تم اسعاف المحروق وانقاذه ، ونقله إلى المكان الذي يستكمل علاجه في المركز .. ولا يطلبون منك حسنة أو معروفا او مقابلا لما قامو به نحو مريضك ،، بل انهم يبحثون عن عبارات وجمل ومصطلحات يطمأنوك بها عن حالة مريضك متجاوزين تلك المصطلحات العلمية لكي يتمكنوا من زرع الإبتسامة على ذوي وأقارب المصاب ،، مذيلين كلامهم بقولهم " إن الله كبير ورحيم بعبادة " . فتشعر حينها بعظمة هولاء الأطباء والممرضين وكل من يتواجد معهم من فنيين وصيادلة واداريين فالجميع في مركب واحد ..
نعم .. تلك حالتنا ونحن نسترق السمع لصرخات أبنائنا وأقاربنا وقلوبنا وجله واذهاننا مشرده فإذا انخفض الصراخ أو توقف ترانا نتلوى ونراقب ونسأل .. اين الصراخ اين الأنين ،، هل مات من أنا منتظر له خارج حجرات الطوارئ ام شفي ام وام وأم .. وأستجدي خاضعا متخوفا خبرا من كل من يخرج أو يدخل إلى تلك الحجرات التي يتواجد فيها المصابون ،، وكل الفوارق تذوب اثنائها ، فالضابط والمثقف والمهندس والغني والفقير والفلاح والعامل كلهم في حال واحد ومتشابه ينتظرون كلمة من احد لما يحدث في الداخل عن مصابهم ،،
إن مثل هذه المراكز الخاصة بالحروق تحمل الكثير من المعاناه والنقص في الإمكانيات والقدرات وهو شيء مؤلم ،، والاشد ألما حينما يكون المسؤولون عنها هم سبب المعاناه ،، وحينما تسمع إن الأطباء والكادر الصحي بأكمله قد حرموا من مرتباتهم لأكثر من تسعة اشهر سابقة دون أدنى مسؤولية والشعور بالذنب ليس لأن المخصصات المالية غير متوفرة بل لأن الضمير غير متوفر ،، فالمليارات مكدسه في حسابات من هم مسؤولين عن مركز الحروق ، ولكن النظام الإداري المعقد أصبح أكثر طريقا للفساد ،، .
إننا جميعا مسؤولين أمام الله والمجتمع في نجاح هذه المراكز وتطورها ،، ولا نرضى بوجود العوائق في سبيل اتمام مهامها ،، أو أي قصور يتخللها ،، فمثل هذا المركز الوطنية للحروق لابد وأن تحظى باهتمام ورعاية الدولة بكل تخصصاتها وفروعها ومسؤولياتها ، ولابد أن تتمتع بكامل الاستقلالية في إدارتها اذا لم تكن هناك كفاءة في استيعابها ،، فليست هناك أمراض أخرى توازي الحروق في آلامها وابعادها ، نعم انني لا أقلل من دور وأهمية بقية الأقسام والفروع الطبية ، فكلها بالغة الأهمية ، إلآ إن هناك ما يتطلب التزاما أكبر واهتماما أبلغ من غيرة ،، فمناقصات الأدوية والعلاجات ولوازم مراكز الحروق لا تتحمل التأخير والخضوع لتلك الإجراءات الروتينية والمعقدة للحصول عليها ،، ولابد إن يكون ذوي الخبرة والكفاءة والتخصص في مجال طب الحروق وعلومه هم المسؤولون عن كل شيء يرتبط بهم ، نحن ندرك أن المسؤولية كبيرة وأن الرقابة والتفتيش لابد وأن تكون حاضرة ،، ولكن لابد أيضا إن نعطي الثقة الكاملة لأولئك الذين حملناهم المسؤولية في إدارة تلك المراكز ،، ونراقب كل اعمالهم وألا ندع مجالا للشك أو الريبة تدخل في اعمالهم ،، فلا بد وأن تعطى كل حقوقهم ومخصصاتهم المادية والمعنوية ،، وأن لا نتركهم للحاجة والعوز ،، فيلجأون إلآ أساليب أخرى يراها المسؤولون انها مخالفة للقانون والنظام ،، ولن يستطيع أي مسؤول أو مراقب إن يمنع ذلك الموظف أو غيرة من ارتكاب المخالفة اذا انعدم الضمير الإنساني منه او حرم من حقوقه وليس الكل سواء ، وعلاج ذلك أن نمنحهم كامل الثقة والمسؤولية وألا يكون هناك تقصير في حقوقهم ما دامت المادة متوفرة فلا يجوز تأخيرها أو التلاعب بها أو مماطلتها ،، فيكون المسؤول عن كل فساد يحدث هو من تسبب في عرقلة مهام ومستحقات تلك المراكز .
اني ارى عظمة ما يقوم به أطباء وكادر مراكز الحروق في بلادنا وعلى رأسها المركز في المستشفى الجمهوري ولكن رأيت مناضر تؤلم فالمجاري تطفح احيانا والادوية تتأخر كثيرا والرواتب تنقطع لأشهر كثيرة والازدحام شديد وكأن هذا المركز مخصص فقط لمديرية أو مديريتين في أمانة العاصمة ،، لابد وأن تكون هناك مباني واسعة ومستقلة لمراكز الحروق وأن تكون في أماكن ومناطق وسطيه وقريبة من كل سكان العاصمة ،، فالوقت والزمن والمكان هم عداد الحياة للمصاب المحروق واهله فكل دقيقة تمر بعد الإصابة هي على حساب حياته ،،
لعل العجيب في الأمر أن الجهات المسؤلة عن صرف المستحقات للمركز جعلوا هناك سقفا لإجراء العمليات محددة بعمليتين فقط ، فإن تجاوز المركز لذلك فقد ارتكبوا اثما كبيرا ومخالفة عظيمة ،، فهل اذا كان هناك ضرورة لأكثر من عمليتين لا يجوز عملها ، ويترك المصاب يصارع الموت والألم من أجل قرار غير مسؤول ،، هل تعلمون معنى ذلك ؟ معناه انه اذا تجاوز المركز للحروق عدد عمليتين فلا يحق له إن يقوم بعمليات أخرى لمصابين إلآ بعد أن يأخذوا الأذن من المسؤولون عليهم أو يقوموا بتنفيذ العمليات مخالفين بذلك التعليمات الادارية وسقف العمليات ويتحمل الأطباء والكادر المسؤولية في تأخير مستحقات المركز وقد يكون هناك خصومات من رواتبهم وعلاواتهم جراء ما ارتكبوه من جناية كبيرة يعاقب عليها النظام الإداري الغير مسؤول ،، واقسم بالله لو إن هذا الكلام والاجراء في دولة متقدمة لوضع من تسبب في ذلك للمحاكمة والمسآلة امام القضاء ،،
أننا في زمن الحرب والعدوان على بلادنا ولابد إن نشعر بالمسؤولية الملقاه على عاتق كلا منا ،، وألا نحاول إلقاء المسؤولية على غيرنا ،، فكلنا مسؤول ، وكلنا محاسبون أولا أمام الله ومن ثم أمام أنفسنا والناس أجمعين ،
ومن العجيب والأكثر وجعا هي تلك الإجراءات الصعبة من مؤسسة الشهداء على ذوي أسر الشهداء ومن هم مستحقون للرعاية من بعد الشهيد ، فإذا أردت علاجا أو فحصا فعليك قطع استمارة العذاب ليصرف المبلغ من المؤسسة والتي تبعد منك عددا من الكيلومترات لكي تصل اليها ، فإذا كانت الحاجة لدواء وفحص بعشرة آلاف ريال الساعة الثامنة صباحا فسوف تخرج من مكتب رعاية أسر الشهداء التاسعة ، وتصل إلى المؤسسة العاشرة وتعود في اليوم الثاني لتأخذ إشعار تحويل الفلوس إلى الصيدلية أو المختبر بعد أن تكون قد ارفقت عروض الأسعار ،، وما إن ترجع إلى مريضك المستحق للرعاية إلآ وقد كتب الأطباء وصفات علاجية أخرى وفحوصات ايضا ،، فمتى سيحصل عليها المريض ومتى سيستخدمها وأحيانا يكون الموت رحمة لمن لا يستطيع أن يوفر ابسطها احيانا ،، وأحيانا أخرى يستكثر ولي الأمر على نفسه تلك الإجراءات ويبحث عن شيء لكي يبيعه أو يرهنه في سبيل إنقاذ مريضه ،، هل التعقيد في إجراءات الصرف لغرض المصلحة أم لتعجيز الأهل عن القيام بها ،، فيفضلون الجوء إلى بيع ما يمكن بيعة أو رهنه ، وبذلك يكونون قد خففوا العبأ عليكم ... ما هكذا يا مؤسسة الشهداء يعامل أسر الشهداء المرضى والمحتاجون للرعاية الطبية ،، ولا بد من وجود وسيلة ارحم من طريقتكم الشاقة ،، إن الله رحيم يحب الرحماء ،،
قد لا يعجب كلامي الكثير ممن عنيتهم في رسالتي ولكن لابد من كلمة سواء بيننا وبينكم ،، فوطننا غال علينا ،، والعدو محدق بنا ، ولابد إن نكون حذرين في قراراتنا واعمالنا وخطواتنا وألا ندع مجالا لأمراض النفوس إن يصطادوا في الماء العكر .. وفق الله الجميع لما فيه صالح البلاد والعباد ..

الأربعاء ٢ ذي الحجة ١٤٤٧ للهجرة النبوية الشريفه على صاحبها وآله افضل الصلاة والتسليم الموافق ٢٠ مايو ٢٠٢٦م

طباعة